يشكل مقال حافظ الحواز الموسوم بـ“سكيزوفرينيا الخطاب السياسي.. جهة كلميم واد نون نموذجا”، والمنشور على صفحات جريدة الرباط نيوز، محاولة نقدية لتفكيك بنية الخطاب السياسي المحلي ورصد مظاهر التناقض التي باتت تطبع الممارسة السياسية في السنوات الأخيرة، سواء على مستوى اللغة أو السلوك أو تدبير الشأن العام.
ينطلق الكاتب من مدخل لغوي وفلسفي، معتبرا أن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل بسيطة، بل شبكة متحركة ومتعددة الدلالات، قادرة على إنتاج المعنى كما قادرة على إخفائه أو تشويهه. ومن خلال هذا المدخل، يهيئ القارئ لفهم أطروحته الأساسية التي ترى أن الخطاب السياسي المعاصر أصبح يعيش حالة من “الانفصال” بين القول والفعل، وبين الشعارات والممارسة الواقعية.
ويبدو واضحا أن الكاتب استثمر مفهوم “السكيزوفرينيا” بوصفه استعارة نقدية، لا إحالة طبية، للتعبير عن حالة الازدواجية التي يعيشها الخطاب السياسي؛ حيث ترتفع شعارات التنمية والإصلاح والديمقراطية، في الوقت الذي تغيب فيه البرامج الدقيقة وآليات المحاسبة والتنفيذ. فالمشكل، كما يراه الكاتب، لا يكمن فقط في ضعف الإنجاز، بل في طبيعة الخطاب نفسه الذي تحول إلى تراكم للمفاهيم والوعود دون ارتباط حقيقي بالواقع الاجتماعي والسياسي.
ومن أبرز الأفكار التي يثيرها المقال، انتقاده لما سماه “الإسهال المفاهيمي”، أي الإفراط في استعمال المفاهيم السياسية الرنانة دون مضمون عملي واضح. فالخطاب السياسي، بحسب المقال، لم يعد يؤسس لتعاقدات سياسية مبنية على برامج قابلة للتقييم، بل أصبح أقرب إلى عملية تسويق لغوي وشعاراتي هدفها التأثير الآني أكثر من بناء مشروع مجتمعي متكامل.
كما يلفت الكاتب الانتباه إلى ظاهرة الترحال السياسي والتنقل بين المواقع والانتماءات، معتبرا أن ذلك يعكس أزمة في القناعات السياسية وفي أخلاقيات العمل الحزبي، وهو ما ينعكس سلبا على ثقة المواطن في الفاعل السياسي وفي المؤسسات المنتخبة.
ويحسب للمقال أنه لم يكتف بالنقد المباشر، بل حاول بناء خلفية فكرية ولغوية لتحليل الظاهرة، وهو ما منح النص بعدا تأمليا يتجاوز التعليق السياسي الظرفي. كما أن لغة المقال جاءت مشحونة بالصور البلاغية والاستعارات الساخرة، مثل الإحالة إلى “وعد عرقوب”، بما يعكس رغبة الكاتب في تعرية المفارقة بين كثافة الوعود وضعف النتائج.
في المجمل، يقدم الدكتور حافظ الحواز قراءة جريئة في واقع الخطاب السياسي بجهة كلميم واد نون، واضعا القارئ أمام سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرة الفاعل السياسي اليوم على استعادة مصداقية الخطاب وربط اللغة بالفعل السياسي المسؤول. فالمقال لا ينتقد الخطاب السياسي فقط، بل يدعو ضمنيا إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والسياسة على أساس الوضوح والالتزام والمحاسبة.
المصطفى توفيق
20 ماي 2026
الدكتور الحافظ حواز يكتب سكيزوفرينيا الخطاب السياسي جهة كلميم واد نون نموذجا 👇
https://www.ribatnews.com/artciles/101759