شهر ماي للتوعية بالصحة النفسية… دعوة عالمية لكسر الصمت وبناء الإنسان

 



تحتفي العديد من الهيئات والمؤسسات الدولية خلال شهر ماي من كل سنة بحملات التوعية بالصحة النفسية، في إطار جهود متواصلة تهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية التوازن النفسي، ومحاربة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية، وتشجيع الأفراد على طلب الدعم والمرافقة النفسية عند الحاجة. ويأتي هذا الاهتمام المتزايد بالصحة النفسية باعتبارها جزءا أساسيا من الصحة العامة، لا يقل أهمية عن الصحة الجسدية.


لقد أظهرت التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، إلى جانب الأزمات العالمية والحروب والكوارث، أن الإنسان المعاصر يعيش ضغوطا نفسية متزايدة قد تنعكس على سلوكه وعلاقاته وإنتاجيته وجودة حياته. فمشاعر القلق والتوتر والاكتئاب والعزلة لم تعد حالات استثنائية، بل أصبحت تحديات يومية تواجه فئات واسعة من المجتمع، خاصة في ظل هيمنة العالم الرقمي وتسارع إيقاع الحياة.



وتؤكد الدراسات النفسية الحديثة أن الصحة النفسية لا تعني فقط غياب المرض النفسي، بل تشمل قدرة الإنسان على التكيف مع ضغوط الحياة، وبناء علاقات صحية، واتخاذ قرارات متوازنة، وتحقيق نوع من الرضا الداخلي والاستقرار الانفعالي. لذلك، فإن الاهتمام بالصحة النفسية يبدأ من الأسرة، ويمتد إلى المدرسة والجامعة ومكان العمل ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.



وفي هذا السياق، يبرز دور التوعية المجتمعية في تصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالعلاج النفسي. فما يزال البعض ينظر إلى زيارة المعالج النفسي الإكلينيكي باعتبارها علامة ضعف أو خلل، في حين أن طلب المساعدة النفسية يعكس وعياً ونضجاً ومسؤولية تجاه الذات. كما أن الدعم النفسي المبكر يمكن أن يساهم في الوقاية من تفاقم العديد من الاضطرابات النفسية والسلوكية.



ومن جهة أخرى، فإن الصحة النفسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنمط الحياة اليومي؛ فممارسة الرياضة، والنوم الكافي، والتغذية المتوازنة، وتقوية الروابط الاجتماعية، والتعبير عن المشاعر بطريقة صحية، كلها عوامل تساعد على تعزيز التوازن النفسي والحد من التوتر. كما أن الانخراط في الأنشطة الثقافية والإبداعية والتطوعية يساهم في بناء الإحساس بالمعنى والانتماء.



إن شهر ماي للتوعية بالصحة النفسية ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو دعوة إنسانية مفتوحة لإعادة الاعتبار للإنسان من الداخل، والإنصات لمعاناته النفسية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتنميط الاجتماعي. فمجتمع يتمتع أفراده بصحة نفسية جيدة هو مجتمع أكثر استقراراً وإبداعاً وتماسكاً.


وفي عالم يزداد تعقيدا وضغطا، تبقى الصحة النفسية ضرورة إنسانية وليست ترفا، لأن بناء الأوطان يبدأ أولا ببناء الإنسان نفسيا وفكريا ووجدانيا.


وفي ختام هذا الحدث العلمي والثقافي، يواصل الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام والاتصال انخراطه في دعم القضايا المجتمعية والإنسانية ذات البعد التوعوي، من خلال التحضير لتنظيم ندوة علمية ثقافية خلال الأيام القليلة المقبلة، ستخصص لموضوع التوعية بالصحة النفسية وتقنين المهن السيكولوجية، بمشاركة ثلة من الباحثين والأكاديميين والمتخصصين في مجالات علم النفس والإعلام والتواصل. ويأتي هذا الموعد العلمي في سياق تعزيز ثقافة الوعي النفسي داخل المجتمع، وتسليط الضوء على أهمية الصحة النفسية باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق التوازن الفردي والاستقرار الاجتماعي، إلى جانب فتح نقاش علمي ومسؤول حول ضرورة تقنين المهن السيكولوجية بما يضمن حماية المواطنين، وتأطير الممارسة المهنية وفق ضوابط علمية وأخلاقية، مع المساهمة في محاربة الصور النمطية المرتبطة بالاضطرابات النفسية وتشجيع ثقافة الإنصات والدعم والمواكبة.



المصطفى توفيق 

09 ماي 2026