في سياق دينامية ثقافية متواصلة تسعى إلى إعادة الاعتبار للنقاش العمومي حول الفكر والسياسة والذاكرة، تحتضن مدينة الرباط حدثا فكريا جديدا بعنوان: “Figures Mémorables 10 – أعلام في الذاكرة”، وذلك في صيغة لقاء-نقاش مع الوزيرة والسياسية الفرنسية المغربية السابقة Najat Vallaud-Belkacem، يوم الثلاثاء 05 ماي 2026 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية – أكدال.
هذا اللقاء، الذي ينظم بشراكة بين مؤسسات أكاديمية وثقافية وطنية، يندرج ضمن سلسلة فكرية تسعى إلى استضافة شخصيات وازنة من عوالم السياسة والثقافة والفكر، بهدف فتح نقاشات عمومية حول قضايا الذاكرة، التحولات الاجتماعية، وأسئلة الهوية في زمن العولمة.
من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية
يحمل عنوان “Figures Mémorables” دلالة واضحة على محاولة استحضار مسارات شخصيات تركت أثرا في مجالاتها، ليس فقط بوصفها سيرا ذاتية، بل باعتبارها مرآة لتحولات أوسع تمس المجتمعات ذاتها. وفي هذا السياق، تكتسب مشاركة نجاة فالو بلقاسم أهمية خاصة، بحكم تجربتها السياسية داخل فرنسا، وارتباطها الرمزي بسؤال الهجرة، الاندماج، وتمثلات الهوية المزدوجة.
اللقاء لا يبدو مجرد تقديم تجربة شخصية، بل هو أيضا مساحة لمساءلة العلاقة بين السياسي والمثقف، بين القرار العمومي وصناعة الفكرة، وبين الانتماء الثقافي ومسارات الصعود داخل الفضاءات السياسية الأوروبية.
الرباط كفضاء للحوار الأكاديمي
اختيار مدينة Rabat وفضاء كلية الآداب أكدال ليس تفصيلا ثانويا، بل يعكس توجها نحو جعل الجامعة فضاء حيا للنقاش العمومي، وليس فقط مؤسسة للتلقين الأكاديمي. فالجامعة هنا تتحول إلى منصة للقاء بين التجربة السياسية والخبرة الأكاديمية والجمهور الطلابي.
كما أن توقيت اللقاء مساء، في أجواء مفتوحة للنقاش، يعزز فكرة “الندوة الحوارية” بدل “الدرس التقليدي”، وهو ما ينسجم مع التحولات الحديثة في أشكال إنتاج المعرفة وتداولها.
ما بين الرمزية والأسئلة المفتوحة
غير أن أهمية مثل هذه اللقاءات لا تكمن فقط في أسماء الضيوف، بل في الأسئلة التي تثيرها:
كيف تُبنى النخبة في السياق المتعدد الثقافات؟
ما حدود تأثير التجربة الشخصية في صياغة السياسات العمومية؟
وكيف يمكن استثمار الذاكرة الفردية في فهم التحولات الجماعية؟
هذه الأسئلة تجعل من “Figures Mémorables” أكثر من مجرد حدث ثقافي، بل فضاء لإعادة التفكير في موقع المثقف والسياسي داخل مجتمعات تتغير بسرعة.
وفي الختام، بين الرمزية الأكاديمية والبعد الثقافي، يندرج هذا اللقاء ضمن سلسلة محاولات لإحياء النقاش العمومي حول قضايا كبرى تمس الذاكرة والهوية والسياسة. وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات وتتشظى فيه المرجعيات، تبدو مثل هذه المبادرات فرصة لإعادة بناء جسور الحوار بين التجربة الفردية والأسئلة الجماعية التي لم تحسم بعد.
30 أبريل 2026
المصطفى توفيق
فاعل جمعوي، وخريج مسلك التميز في علم النفس الإكلينيكي والمرضي بجامعة عبد المالك السعدي – تطوان
رئيس الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام والاتصال
