بين الإرادة التشريعية وتعثر التنفيذ: قصة تقنين مهنة الأخصائي النفسي

 



منذ سنة 2024، دخل موضوع تقنين مهنة الأخصائي النفسي بالمغرب مرحلة جديدة، انتقل فيها من مجرد مطالب مهنية ونقابية إلى مبادرات تشريعية داخل مجلس النواب المغربي. هذا التحول لم يكن اعتباطيا، بل جاء نتيجة تراكم اختلالات ميدانية أبرزها غياب إطار قانوني واضح، وانتشار ممارسات غير مؤطرة، وتداخل الاختصاصات بين الفاعلين في مجال الصحة النفسية. 


وبين 2024 و2026، عرف البرلمان دينامية ملحوظة عبر تقديم عدة مقترحات قوانين، تعكس وعيا متزايدا بأهمية تنظيم هذا المجال، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن تعثر مستمر في تحويل هذه المبادرات إلى قانون نافذ.



أولا: سنة 2024 – انطلاقة المبادرة التشريعية


شهدت سنة 2024 تقديم أول مقترح قانون واضح لتقنين مهنة الأخصائي النفسي، تقدمت به البرلمانية ثورية العزاوي. وقد ركز هذا المقترح على:

تحديد شروط مزاولة المهنة

ضبط التكوين والشهادات المطلوبة

حماية لقب “أخصائي نفسي” من الاستعمال غير المشروع

وقد شكل هذا المقترح خطوة تأسيسية في مسار التقنين، غير أنه ظل محدود الأثر بسبب غياب توافق مهني وتشريعي واسع حول مضامينه.



ثانيا: سنة 2025 – استمرار النقاش وتعدد المبادرات


في سنة 2025، استمر النقاش داخل البرلمان حول ضرورة تقنين المهنة، حيث تم تداول مقترحات وأفكار تشريعية جديدة، من بينها مبادرات برلمانية نسبت إلى النائبة فاطمة التامني، التي دافعت عن ضرورة ضبط المجال وحماية المستفيدين من الفوضى المهنية.

ورغم أهمية هذه التحركات، فإنها لم تترجم إلى نص قانوني مكتمل، بل بقيت في إطار النقاش والتداول، مما جعل هذه المرحلة توصف بمرحلة “التراكم دون حسم”، حيث ظل الهدف واضحا لكن الطريق إلى تحقيقه غير مكتمل.


ثالثا: سنة 2026 – عودة قوية للمبادرات التشريعية


سنة 2026 مثلت منعطفا جديدا بإعادة فتح الملف بقوة داخل البرلمان، خصوصا مع مبادرة فريق حزب التقدم والاشتراكية بقيادة رشيد حموني، الذي تقدم بمقترح قانون شامل لتنظيم المهنة وإحداث هيئة وطنية للأخصائيين النفسيين. 


وقد جاء هذا المقترح أكثر شمولية، حيث تضمن:

تحديد دقيق لشروط الولوج إلى المهنة (خصوصا مستوى التكوين)

إحداث هيئة وطنية للأخصائيين النفسيين

وضع قواعد أخلاقية صارمة وتنظيم المسؤولية المهنية

التنصيص على عقوبات في حالة الممارسة غير القانونية

كما تميز هذا المقترح بكونه حاول تجاوز بعض نقائص المبادرات السابقة، خاصة على مستوى الهيكلة والتنظيم المؤسساتي للمهنة.


كما جاء هذا التحرك في سياق نقاش وطني متصاعد حول الصحة النفسية، واعتراف بوجود “فراغ قانوني” يطبع المهنة ويعرض المستفيدين لمخاطر حقيقية.

إلى جانب ذلك، لم يقتصر النقاش على النصوص القانونية فقط، بل تم تنظيم لقاءات دراسية داخل البرلمان حول تقنين المهنة وعلاقتها بحماية فئات حساسة كالأطفال، مما يعكس انتقال الموضوع من مجرد مبادرة تشريعية إلى ورش عمومي مفتوح للنقاش. 



إن تتبع مسار تقنين مهنة الأخصائي النفسي داخل البرلمان المغربي بين 2024 و2026 يكشف عن مفارقة واضحة: دينامية تشريعية متواصلة، يقابلها غياب الحسم القانوني. فبين أولى المبادرات التأسيسية، ومرحلة الانتظار، ثم العودة القوية بمقترحات أكثر تفصيلا، يظل القانون المؤطر للمهنة مؤجلا.

وبينما تؤكد هذه المبادرات وجود إرادة سياسية متنامية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تقديم مقترحات جديدة، بل في بناء توافق مهني وتشريعي يخرج هذا الورش من دائرة النقاش إلى حيز التنفيذ. لأن استمرار الفراغ القانوني لم يعد مجرد إشكال مهني، بل أصبح قضية تمس جودة الخدمات النفسية وأمن المجتمع النفسي في آن واحد.


 30 أبريل 2026

المصطفى توفيق

فاعل جمعوي، وخريج مسلك التميز في علم النفس الإكلينيكي والمرضي، من جامعة عبد المالك السعدي  تطوان

مهتم بقضايا الصحة النفسية