في سياق النقاش التشريعي الدائر داخل البرلمان المغربي حول مشروع قانون تنظيم مهنة الأخصائي النفسي، يبرز إشكال جوهري لا يتعلق فقط بشروط الممارسة أو آليات التأطير المهني، بل يمسّ البنية المفاهيمية ذاتها التي يقوم عليها النص، والمتعلقة بتحديد من هو “الأخصائي النفسي” في المعنى القانوني الدقيق.
فبالرجوع إلى المادة 2 من المقترح، نجد أن الأخصائي النفسي يُعرّف بأنه كل شخص حاصل على شهادة جامعية متخصصة في علم النفس أو ما يعادلها، يمارس أنشطة التقييم أو التشخيص أو التدخل أو الإرشاد النفسي، شريطة التسجيل في السجل الوطني للهيئة. غير أن هذا التعريف، رغم طابعه الإطاري، يطرح إشكالًا بنيويا يتمثل في اعتماده على معيار الشهادة كمُدخل أولي، مع إحالة حاسمة إلى شروط تنظيمية لاحقة، مما يجعل التعريف القانوني غير مكتمل بذاته، بل مرتبطًا بمنظومة إحالات تنظيمية خارج النص التشريعي.
وهنا يبرز التمييز الجوهري بين “تعريف المهنة” و“شروط مزاولتها”. فبينما تسعى المادة 2 إلى تحديد هوية الممارس، نجد أن المواد الأخرى، خصوصًا المادة 4، تنتقل مباشرة إلى تنظيم مجالات التدخل وحصر بعض المهام كالتقييم والتشخيص والعلاج النفسي غير الدوائي في الفئة المقيدة والمسجلة. هذا التحول من التعريف إلى الحصر الوظيفي يعكس أن النص يركز أكثر على تنظيم “كيف تُمارس المهنة” بدل “من هو الممارس قانونًا”.
أما المادة 5، فتُكرّس البعد الحمائي للصفة المهنية، من خلال منع استعمال لقب “أخصائي نفسي” أو أي صفة مشابهة إلا من طرف المستوفين للشروط القانونية والمسجلين رسميًا. غير أن هذا المنع، رغم أهميته، يظل مرتبطًا بتعريف أولي غير دقيق بما يكفي من الناحية المفاهيمية، مما قد يفتح المجال أمام تأويلات تطبيقية متباينة عند التنزيل.
وفي السياق ذاته، تؤكد المادة 8 أن لائحة الشهادات المقبولة تُحدد بنص تنظيمي، وهو ما يعني عمليًا أن أحد أهم عناصر تحديد هوية الأخصائي النفسي يُترك للتنظيم لاحقًا، وليس للنص التشريعي نفسه. وهو ما يطرح إشكالًا تقنيًا يتعلق بمدى اتساق مبدأ الأمن القانوني، الذي يفترض أن تكون العناصر الجوهرية للمهنة محددة في القانون لا في النصوص التنظيمية.
كما أن المادة 9 توسع من دائرة الولوج إلى المهنة لتشمل تخصصات قريبة من علم النفس، شريطة استيفاء تكوينات إضافية وتدريب ميداني وتقييم للملفات. ورغم أن هذا التوجه يعكس مرونة في استيعاب التكوينات البينية، إلا أنه يعزز في المقابل تعددية المسارات المؤدية إلى نفس الصفة المهنية، مما يطرح سؤال التماثل في الكفاءة داخل نفس الإطار القانوني.
انطلاقًا من هذا التداخل بين المواد، يتضح أن المقترح لا يقدم تعريفًا مغلقًا للأخصائي النفسي بقدر ما يقدم نموذجًا وظيفيًا مفتوحًا يقوم على ثلاثية: الشهادة، والتكوين الإضافي، والترخيص الإداري. غير أن هذا النموذج، رغم براغماتيته، يثير إشكالًا مفاهيميًا أساسيًا، يتمثل في غياب تعريف قانوني دقيق ومكتمل يسبق تنظيم الشروط، بدل أن يكون تابعًا لها.
وعليه، فإن الإشكال لا يكمن في غياب التنظيم، بل في طبيعة البناء التشريعي نفسه، حيث يبدو أن النص يجيب بشكل أدق عن سؤال “كيف تُمارس المهنة؟” أكثر مما يجيب عن سؤال “من هو الأخصائي النفسي؟”، وهو سؤال جوهري في كل تقنين مهني دقيق.
ومن هنا، فإن إشكالية التقنين لا تتعلق فقط بصرامة الشروط أو تعدد التخصصات، بل أساسًا بمدى قدرة النص على تحقيق توازن بين الدقة المفاهيمية من جهة، والمرونة التنظيمية من جهة ثانية، بما يضمن وضوح الهوية المهنية دون المساس بتعدد المسارات العلمية داخل حقل علم النفس.
29 أبريل 2026
المصطفى توفيق
فاعل جمعوي وخريج مسلك التميز في علم النفس الإكلينيكي والمرضي
جامعة عبد المالك السعدي – تطوان
مهتم بقضايا الصحة النفسية
فوضى ممارسة مهنة الأخصائي النفسي.. التقدم والاشتراكية يقدم مقترح قانون لتنظيمها 👇