حين يصبح التقنين ضرورة: حماية مهنة الأخصائي النفسي الإكلينيكي من الممارسة غير المؤهلة

 في ظل الاهتمام المتزايد بالصحة النفسية، وتنامي الحاجة إلى خدمات التشخيص والتقييم والمواكبة والتدخل النفسي، أصبحت مسألة تقنين مهنة الأخصائي النفسي الإكلينيكي ضرورة ملحّة. فالممارسة النفسية ليست مجرد تقديم نصائح أو الاستماع إلى الأشخاص الذين يعانون من صعوبات نفسية، بل هي ممارسة علمية ومهنية تستند إلى تكوين أكاديمي متخصص، وكفاءات إكلينيكية، وقواعد أخلاقية ومسؤولية كبيرة تجاه الأشخاص الذين يلجؤون إلى خدمات الصحة النفسية.



إن وضع إطار قانوني واضح لممارسة مهنة الأخصائي النفسي من شأنه أن يساهم، أولا، في تنظيم المهنة وتحديد شروط الولوج إليها. فمن الضروري أن تكون هناك معايير دقيقة تحدد المؤهلات العلمية والتكوينات المطلوبة لممارسة العمل النفسي الإكلينيكي، بما يضمن أن الأشخاص الذين يقدمون خدمات نفسية يمتلكون المعرفة والكفاءة الضروريتين للتعامل مع الحالات المختلفة.



كما أن تقنين المهنة يشكل وسيلة أساسية لـ حماية المواطنين من الممارسات غير المؤهلة. ففي غياب إطار قانوني واضح، قد يظهر أشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم مختصين في علم النفس أو العلاج النفسي دون تكوين أكاديمي أو إكلينيكي كاف. وقد يؤدي ذلك إلى تدخلات غير علمية أو ممارسات يمكن أن تؤثر سلبا في الأشخاص الذين يعانون أصلا من اضطرابات أو صعوبات نفسية.

ومن هنا، فإن تنظيم المهنة لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد حماية لمصالح المهنيين، بل باعتباره قبل كل شيء آلية لحماية المفحوص والمجتمع. فالشخص الذي يطلب المساعدة النفسية يجب أن يكون مطمئنا إلى أن المهني الذي يتعامل معه يمتلك تكوينا معترفا به، ويحترم قواعد السر المهني وأخلاقيات الممارسة، ويعمل ضمن حدود اختصاصه العلمي والمهني.



كذلك، سيساهم التقنين في التمييز بين مختلف المتدخلين في مجال الصحة النفسية، وتوضيح اختصاصات الأخصائي النفسي الإكلينيكي مقارنة بباقي التخصصات والمهن. فالتكامل بين الأطباء النفسيين والأخصائيين النفسيين والممرضين وغيرهم من المتدخلين يقتضي تحديدا واضحا للأدوار والاختصاصات، بما يضمن جودة التكفل بالمستفيدين.


إن الأخصائي النفسي الإكلينيكي يحتاج إلى تكوين علمي متخصص يجمع بين المعرفة النظرية والتدريب الميداني والخبرة الإكلينيكية. لذلك، فإن الاعتراف القانوني بالمهنة ينبغي أن يرتبط بشروط واضحة للتكوين والتأهيل، وأن تُحدد أيضا القواعد المنظمة لممارسة المهنة والمسؤوليات المهنية والأخلاقية المترتبة عنها.

وفي الوقت نفسه، فإن التقنين يمكن أن يحد من تطاول غير المؤهلين على الممارسة النفسية ومن تقديم خدمات علاجية أو تشخيصية تحت مسميات قد توهم المواطنين بوجود اختصاص مهني حقيقي. فحرية تقديم الدعم أو النصيحة العامة لا ينبغي أن تختلط بالممارسة النفسية الإكلينيكية المتخصصة، التي تتطلب تكوينا علميا ومهنيا محددا.



إن المرحلة الحالية، التي تشهد اهتماما متزايدا بتطوير منظومة الصحة النفسية، تمثل فرصة حقيقية لوضع إطار قانوني حديث ومنصف لمهنة الأخصائي النفسي. إطار يضمن الاعتراف بالكفاءات العلمية، وينظم شروط الممارسة، ويحمي المواطنين، ويعزز مكانة الأخصائي النفسي داخل المنظومة الصحية.

فالمطلوب اليوم ليس فقط زيادة عدد المتخصصين في الصحة النفسية، بل أيضا ضمان أن تكون الممارسة النفسية ممارسة منظمة، مؤهلة، وأخلاقية. إن تقنين مهنة الأخصائي النفسي الإكلينيكي هو خطوة أساسية نحو حماية المهنة من الممارسات غير المؤهلة، وحماية المواطن من التدخلات غير العلمية، والارتقاء بجودة خدمات الصحة النفسية.


إن مستقبل الصحة النفسية يمر عبر الاعتراف بالكفاءات المتخصصة، وتحديد الاختصاصات، وترسيخ المسؤولية المهنية. ولذلك، فإن تقنين مهنة الأخصائي النفسي الإكلينيكي ليس امتيازا لفئة مهنية، بل ضرورة لحماية المجتمع وتنظيم ممارسة مهنة تقوم أساسا على العلم والكفاءة والمسؤولية الإنسانية.


4 شتنبر 2026


المصطفى توفيق