ألبرت أينشتاين وميلِفا ماريتش: زواج جمع بين الحب والعلم… وانتهى بأموال نوبل

 

تعد قصة العلاقة بين الفيزيائي الألماني ألبرت أينشتاين وزوجته الأولى ميلفا ماريتش من أكثر القصص إثارة للاهتمام في تاريخ العلم الحديث. فقد جمعتهما الدراسة والاهتمام بالفيزياء والرياضيات، ثم الزواج والأبناء، قبل أن تنتهي علاقتهما بالانفصال والطلاق. غير أن أكثر جوانب القصة إثارة للجدل هو ما حدث لاحقا بشأن أموال جائزة نوبل، وكذلك التساؤل حول طبيعة الدور الذي لعبته ميلفا في المسيرة العلمية لزوجها.


التقى أينشتاين وميلِفا ماريتش في زيورخ في نهاية القرن التاسع عشر، عندما كانا يدرسان في المؤسسة الفدرالية السويسرية للتكنولوجيا (ETH Zürich). وكانت ماريتش واحدة من النساء القليلات اللواتي التحقن آنذاك بدراسة العلوم في هذا المستوى. وقد نشأت بينهما علاقة عاطفية وفكرية، وانتهت بالزواج سنة 1903. (méthode.org +1)


كان الزواج مثمرا من الناحية الأسرية، إذ أنجب الزوجان طفلين، هما هانس ألبرت وإدوارد. لكن العلاقة الزوجية بدأت تتدهور تدريجيا، خصوصا مع انتقال أينشتاين إلى برلين سنة 1914. وفي السنة نفسها عادت ميلفا إلى زيورخ مع ابنيها، وأصبح الانفصال بين الزوجين دائما تقريبا. وبعد سنوات من الانفصال، تم الطلاق رسميا في 14 فبراير 1919. Wikipedia +1


المفاجأة: أموال نوبل كانت جزءا من اتفاق الطلاق


من أكثر التفاصيل إثارة في هذه القصة أن أينشتاين لم ينتظر حصوله على جائزة نوبل لكي يمنح أموالها لميلفا. ففي 31 يناير 1918، وقبل حصوله على الجائزة بسنوات، كتب لها متعهدا بأن أموال جائزة نوبل، إذا حصل عليها، ستكون لها. وتظهر الوثائق المرتبطة بالطلاق أن أموال الجائزة المتوقعة كانت جزءا من الترتيبات المالية بين الزوجين einstein-website.de


وبعبارة أخرى، لم تكن المسألة عبارة عن هدية مفاجئة قدمها أينشتاين إلى زوجته السابقة بعد فوزه بالجائزة، كما توحي بعض الروايات الشعبية؛ بل كان هناك اتفاق مالي سابق على حصوله على الجائزة.

وكان أينشتاين قد حصل بالفعل على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1921، وإن كان تسليم الجائزة قد تم في عام 1922. ولم تمنح الجائزة له تحديدا عن النظرية النسبية كما يعتقد كثيرون، وإنما عن تفسيره للتأثير الكهروضوئي ومساهماته في الفيزياء النظرية arXiv


بعد حصوله على الجائزة، أصبح بإمكان تنفيذ الاتفاق المالي. واستثمر رأس المال المرتبط بالجائزة لصالح ميلفا، ثم استخدمت الأموال في شراء عقارات في زيورخ، من بينها مبنى في Huttenstrasse 62، وذلك بهدف توفير مورد مالي لها ولابنيهما einstein-website.de


هل كان إعطاؤها أموال نوبل اعترافا بمساهمتها العلمية؟


هنا تبدأ المنطقة الأكثر إثارة للجدل

تنتشر منذ عقود رواية مفادها أن ميلفا ماريتش كانت شريكة علمية لأينشتاين، وأنها ساهمت في أعماله المبكرة، وربما في أبحاثه التي نشرها سنة 1905، وأن تحويل أموال نوبل إليها كان بمثابة اعتراف غير معلن بهذا الدور.

لكن لا توجد أدلة وثائقية حاسمة تثبت أنها شاركت في تأليف أبحاث أينشتاين المنشورة أو أنها قدمت مساهمة محددة في صياغة نظرياته الأساسية. ويؤكد الباحث Allen Esterson، في دراسة منشورة في مجلة Mètode الأكاديمية، أن كثيرا من الادعاءات المتعلقة بكون ماريتش شريكة في تأليف أعمال أينشتاين لا تستند إلى أدلة وثائقية كافية méthode.org


وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يؤدي غياب الدليل على التأليف المشترك إلى إنكار العلاقة الفكرية بينهما. فالرسائل المتبادلة بينهما تشير إلى أنهما كانا يتناقشان في المسائل العلمية، وأن العلاقة بينهما لم تكن عاطفية فقط، بل كانت أيضا ذات جانب فكري وعلمي. وتصف بعض الدراسات العلاقة بينهما بأنها تعاون فكري وثيق، مع التأكيد على صعوبة تحديد مساهمة ماريتش العلمية بدقة arXiv +1


لذلك فإن القول بأن "ميلفا كانت المؤلفة الحقيقية لنظرية النسبية" يتجاوز ما تسمح به الأدلة التاريخية المتاحة. وفي المقابل، فإن اختزالها في كونها مجرد زوجة لأينشتاين يتجاهل حقيقة أنها كانت امرأة متعلمة في الفيزياء والرياضيات، وأنها كانت جزءا من البيئة الفكرية والعلمية التي تشكل فيها أينشتاين في شبابه.


ماذا تكشف أموال نوبل إذن؟


تكشف هذه القصة جانبا مهما من حياة أينشتاين الشخصية. فقد كان يعلم، قبل حصوله على الجائزة، أن قيمتها المالية يمكن أن توفر لميلِفا وأبنائهما قدرا من الاستقرار. ولذلك أصبحت الجائزة المستقبلية جزءا من التسوية المالية للطلاق.

وتشير الوثائق إلى أن رأس المال كان مرتبطا أيضا بمصلحة الأبناء، وأن استخدامه كان يخضع لترتيبات قانونية محددة. وفي السنوات اللاحقة، ظهرت خلافات بين أينشتاين وميلِفا حول طبيعة هذا المال وعلاقته بالميراث المستقبلي للأبناء einstein-website.de +1


وهكذا فإن القصة أكثر تعقيدا من العبارة الشائعة: "أينشتاين أعطى جائزة نوبل لزوجته لأنها ساعدته في اكتشاف النسبية." فالمؤكد تاريخيا هو أنه تعهد لها بأموال الجائزة قبل حصوله عليها، وأنها حصلت عليها بالفعل بعد فوزه بها. أما الربط المباشر بين ذلك وبين اعتراف منه بمساهمتها العلمية، فلا يوجد ما يكفي من الأدلة لإثباته


قصة تستحق أن تروى بحذر


تظل ميلِفا ماريتش شخصية مهمة في تاريخ العلوم، ليس بالضرورة لأنها كانت "العقل الحقيقي وراء أينشتاين"، وهي عبارة لا تدعمها الأدلة المتاحة، وإنما لأنها كانت عالمة طموحة درست الفيزياء والرياضيات في زمن كانت فيه مشاركة النساء في التعليم العلمي العالي محدودة للغاية، ولأن حياتها ارتبطت بأحد أشهر علماء القرن العشرين.

أما قصة أموال نوبل، فهي حقيقة تاريخية موثقة، لكنها لا تعني في حد ذاتها أن أينشتاين اعترف بأنها شاركته تأليف نظرياته. والأكثر دقة تاريخيا أن نقول إن أموال الجائزة كانت جزءا من اتفاق الطلاق، وإن أينشتاين نفذ التزامه عندما حصل على الجائزة einstein-website.de +1


وتبقى قصة أينشتاين وميلفا مثالا لافتا على أن تاريخ العلم لا يتكون من المعادلات والاكتشافات وحدها، بل يتقاطع أيضا مع العلاقات الإنسانية، والزواج، والانفصال، والظروف الاجتماعية، والاعتراف العلمي، والمال.


المصطفى توفيق 

1 شتنبر 2026



مصادر :

Mètode – University of Valencia: دراسة Allen Esterson حول مساهمة Mileva Marić العلمية وأموال نوبل. 

metode.org

Albert Einstein Website / Einstein Papers-based historical documentation: وثائق وتفاصيل اتفاق الطلاق وأموال نوبل. 

einstein-website.de +1

PBS: مراجعة نقدية للروايات المتداولة حول ميلِفا ومساهمتها العلمية. 

PBS

ETH Zürich / Einstein-related archival material حاضر ضمن المصادر المستخدمة في الدراسات التاريخية حول العلاقة بين أينشتاين وماريتش. 

metode.org