أثار موضوع التكوينات الجامعية بالتوقيت الميسر نقاشًا واسعًا داخل الجامعات المغربية، خصوصًا بعد تداول مجموعة من المعطيات المتعلقة برسوم التسجيل، وطبيعة هذه التكوينات، وعلاقتها بالتكوين الجامعي بالتوقيت العادي. وفي هذا السياق، أصدرت شبكة عمداء كليات الآداب والعلوم الإنسانية وكليات الآداب واللغات والفنون وكليات العلوم الإنسانية والاجتماعية وكليتي الشريعة وأصول الدين وكلية اللغة العربية ومدرسة الملك فهد العليا للترجمة بالجامعات العمومية المغربية بلاغًا توضيحيًا مؤرخًا في 9 غشت 2026 بالرباط.
ويهدف البلاغ إلى وضع حد للخلط بين مختلف صيغ التكوين الجامعي، وتوضيح الإطار الذي تندرج فيه التكوينات بالتوقيت الميسر، مع التأكيد على أنها لا تلغي التكوين بالتوقيت العادي ولا تحل محله، وإنما تمثل صيغة إضافية تستجيب لحاجيات فئات معينة من الطلبة والموظفين والأجراء.
أولا: لماذا صدر البلاغ؟
جاء البلاغ على إثر النقاش الذي رافق واجبات التسجيل المرتبطة بالتكوينات بالتوقيت الميسر، حيث حرصت شبكة العمداء على توضيح أن التكوين بالتوقيت الميسر يندرج ضمن العرض البيداغوجي الذي توفره الجامعات في إطار اختصاصاتها ومهامها.
وأكد البلاغ أن الجامعات تتمتع، في حدود اختصاصاتها، بإمكانية تنظيم التكوينات وتحديد شروط الولوج إليها، مع مراعاة:
خصوصيات الفئات المستهدفة؛
حاجيات الطلبة والموظفين والأجراء؛
متطلبات جودة التأطير؛
الإمكانات البشرية والمادية المتاحة لكل كلية؛
طبيعة التكوين وأهدافه.
وبالتالي، فإن اختلاف شروط أو رسوم بعض التكوينات من مؤسسة إلى أخرى لا يعني بالضرورة وجود تناقض في النظام الجامعي، لأن كل مؤسسة قد تنظم تكوينًا وفق خصوصياتها وإمكاناتها وحاجيات الفئة المستهدفة.
ثانيا: ما المقصود بالتكوين بالتوقيت الميسر؟
من أهم ما يوضحه البلاغ هو ضرورة التمييز بين التكوين بالتوقيت العادي والتكوين بالتوقيت الميسر.
1. التكوين بالتوقيت العادي
هو المسار الجامعي التقليدي الذي يلتحق به الطلبة وفق العرض الجامعي العادي، ويستفيدون منه وفق الشروط والضوابط المعتمدة في الجامعة.
ولا يعني ظهور التوقيت الميسر إلغاء هذا النمط من التكوين.
2. التكوين بالتوقيت الميسر
أما التكوين بالتوقيت الميسر فهو صيغة تكوينية إضافية تهدف، بحسب البلاغ، إلى الاستجابة خصوصًا لحاجيات فئات ذات وضعية مهنية، مثل الموظفين والأجراء، بما يسمح لهم بمتابعة دراستهم العليا وتطوير مسارهم الأكاديمي والمهني مع مراعاة ظروفهم الزمنية والمهنية.
ومن هنا، فإن كلمة "ميسر" لا تعني بالضرورة "مجاني"، كما أنها لا تعني أن هذا التكوين أقل قيمة من التكوين العادي.
بل المقصود أساسًا هو تيسير ظروف الاستفادة من التكوين، وخاصة من الناحية الزمنية والتنظيمية.
ثالثا: هل التوقيت الميسر يلغي التوقيت العادي؟
لا.
وهذه من أهم النقاط التي يؤكد عليها البلاغ.
فشبكة العمداء تشدد على أن التكوين بالتوقيت الميسر يمثل عرضًا تكوينيًا إضافيًا، ولا يترتب عن اعتماده بأي شكل من الأشكال إلغاء الحاجة إلى التكوين بالتوقيت العادي.
وبعبارة أبسط:
وجود ماستر أو تكوين بالتوقيت الميسر لا يعني أن الجامعة ستتوقف عن تقديم الماسترات بالتوقيت العادي.
فالجامعات يمكن أن تستمر في تقديم التكوينين بحسب العرض البيداغوجي المعتمد وحاجيات الفئات المستهدفة.
رابعا: لماذا تحتاج الجامعة إلى التوقيت الميسر؟
يمكن فهم فلسفة هذا النوع من التكوين من خلال التحولات التي يعرفها التعليم العالي.
فعدد كبير من الأشخاص يرغبون في استكمال دراستهم الجامعية بعد الحصول على الإجازة، لكنهم قد يكونون:
موظفين؛
أجراء؛
مرتبطين بعمل مهني؛
غير قادرين على الالتزام بالتوقيت الجامعي العادي؛
راغبين في تطوير مؤهلاتهم الأكاديمية والمهنية.
ولهذا يمكن أن يوفر التوقيت الميسر إمكانية متابعة الدراسة في ظروف أكثر ملاءمة لهذه الفئات.
ومن هذه الزاوية، فإن التكوين بالتوقيت الميسر يدخل ضمن مفهوم التعلم مدى الحياة وفتح الجامعة أمام فئات أوسع من المجتمع.
خامسًا: ماذا عن رسوم التسجيل؟
هذه النقطة كانت من أهم أسباب الجدل.
فالبلاغ يوضح أن رسوم التكوين بالتوقيت الميسر ليست بالضرورة مطابقة لرسوم التكوين بالتوقيت العادي، لأن طبيعة هذا النوع من التكوين تفرض أحيانًا موارد إضافية مرتبطة بالتأطير والتنظيم والمواكبة.
ويشير البلاغ إلى أن بعض المؤسسات الجامعية قامت بمراجعة واجبات التسجيل، بما يتيح توسيع إمكانات الاستفادة من هذه التكوينات وتنويع فرص الولوج إليها.
كما يوضح أن المداخيل المرتبطة بهذه التكوينات لا تُفهم باعتبارها مجرد مقابل مادي، وإنما ترتبط بمتطلبات تنظيم التكوين وتأطيره وتمويل مختلف العمليات المرتبطة به.
ويشير البلاغ إلى تخصيص نسب من هذه المداخيل لمجالات من قبيل:
المواكبة الأكاديمية والميدانية للباحثين؛
دعم البحث العلمي؛
التسيير والاستثمار؛
التتبع والتأطير والمواكبة؛
وتعويض الأساتذة الباحثين عن العمليات المرتبطة بالتكوين والمناقشات.
وبالتالي، فإن الرسوم مرتبطة أيضا بالتكاليف الفعلية لتنظيم هذا النوع من التكوين.
سادسًا: هل الرسوم تعني أن التكوين بالتوقيت الميسر تكوين "خاص" خارج الجامعة؟
ليس بالضرورة.
وهذه نقطة مهمة جدًا.
فالبلاغ يؤكد أن التكوينات بالتوقيت الميسر تندرج داخل الإطار الجامعي والمؤسساتي، وليست بالضرورة تكوينات مستقلة عن الجامعة.
كما يدعو البلاغ إلى عدم الخلط بين مختلف صيغ التكوين الجامعي، والاعتماد على المعطيات الموضوعية والنصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة لها.
لذلك ينبغي التمييز بين:
التوقيت الميسر
و
التكوين الخاص أو التكوين خارج الإطار الجامعي.
فمجرد كون التكوين يتم في توقيت ميسر أو يخضع لرسوم تسجيل لا يجعله تلقائيًا تكوينًا غير جامعي.
سابعا: ماذا عن قيمة الشهادة؟
الأهم بالنسبة للطالب هو أن ينظر إلى الصفة القانونية والأكاديمية للمسلك وليس فقط إلى طريقة توقيته.
فإذا كان التكوين ماسترًا جامعيًا معتمدًا وتتوفر فيه الشروط القانونية والبيداغوجية المطلوبة، فإن وصفه بأنه "بالتوقيت الميسر" لا يعني تلقائيًا أنه شهادة أدنى من شهادة الماستر بالتوقيت العادي.
لكن يجب دائمًا التحقق من:
اعتماد المسلك؛
المؤسسة الجامعية التي تقدمه؛
نوع الشهادة التي تمنح في نهايته؛
شروط الولوج؛
النظام البيداغوجي؛
النصوص المنظمة للمسلك.
وهذا أكثر أهمية من مجرد تسمية "التوقيت الميسر".
ثامنا: البعد الاجتماعي للتكوين
لم يغفل البلاغ الجانب الاجتماعي، إذ يؤكد أن الجامعات حريصة على مراعاة الأوضاع الاجتماعية للموظفين والأجراء، وعلى توفير سبل التيسير في أداء واجبات التسجيل والعمل في إطار الضوابط القانونية والتنظيمية.
وهذا يعني أن الجامعة تحاول تحقيق نوع من التوازن بين أمرين:
الأول: الحفاظ على جودة التكوين والتأطير والبحث العلمي.
الثاني: توفير فرص أوسع أمام فئات المجتمع الراغبة في متابعة الدراسة العليا.
ومن هنا يمكن النظر إلى التوقيت الميسر باعتباره إحدى أدوات دمقرطة التعليم العالي وتوسيع فرص الولوج إلى التكوين الجامعي.
تاسعًا: التكوين بالتوقيت الميسر والماستر الجامعي
إذا طبقنا مضمون البلاغ على الماستر، فإن الطالب ينبغي ألا ينظر فقط إلى كون الماستر بالتوقيت الميسر أو العادي، وإنما إلى مجموعة من المعايير الأكاديمية والقانونية.
فعلى سبيل المثال، عند المقارنة بين ماسترين، ينبغي طرح الأسئلة التالية:
المعيار
ما ينبغي التحقق منه
المؤسسة
هل هو تابع لجامعة عمومية؟
نوع المسلك
ماستر جامعي معتمد؟
الاعتماد
هل المسلك معتمد للموسم الجامعي المعني؟
الولوج
ما شروط الترشيح والانتقاء؟
البرنامج
ما الوحدات والتخصصات التي يتضمنها؟
التكوين
ما عدد سنوات الدراسة والوحدات؟
التداريب
هل توجد تدريبات ميدانية؟
البحث
هل يتضمن إعداد بحث أو رسالة ماستر؟
الشهادة
ما الشهادة التي يحصل عليها الطالب؟
الرسوم
ما قيمة واجبات التسجيل؟
وبالتالي، لا ينبغي الحكم على قيمة الماستر من خلال كونه بالتوقيت الميسر وحده.
عاشرا: ماذا يعني البلاغ بالنسبة للطلبة؟
البلاغ يحمل رسالة واضحة للطلبة:
لا ينبغي الخلط بين صيغ التكوين الجامعي المختلفة.
كما ينبغي الاعتماد على المعلومات الرسمية الصادرة عن الجامعة والكلية، بدل الاعتماد على المنشورات المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي.
فالطالب الذي يريد الالتحاق بماستر معين عليه أن يتأكد من طبيعة المسلك، واعتماده، وشروط الولوج إليه، ونظام الدراسة، والرسوم المطلوبة، بدل اعتبار كل تكوين بالتوقيت الميسر تكوينًا من نوع واحد.
في الختام، يمكن القول إن بلاغ شبكة العمداء المؤرخ في 9 غشت 2026 يمثل محاولة لتوضيح الإطار العام للتكوينات بالتوقيت الميسر في الجامعات المغربية، خصوصًا في ظل النقاش الذي أثارته واجبات التسجيل.
والخلاصة الأساسية للبلاغ هي أن التوقيت الميسر يمثل صيغة إضافية من صيغ التكوين الجامعي، ولا يلغي التكوين بالتوقيت العادي. كما أن "التيسير" يرتبط أساسًا بظروف تنظيم الدراسة واستهداف فئات معينة، ولا يعني بالضرورة مجانية التكوين أو انخفاض قيمته الأكاديمية.
ومن ثم، فإن تقييم أي ماستر يجب أن يتم بناءً على اعتماده الرسمي، وطبيعته الجامعية، ومضمونه البيداغوجي، وشروط الولوج، والشهادة التي يمنحها، وليس فقط بناءً على كونه يقدم بالتوقيت العادي أو بالتوقيت الميسر.
وبالنسبة للطالب الذي يرغب في متابعة الماستر، فإن النقطة الأكثر أهمية هي التأكد من أن المسلك نفسه معتمد ورسمي، ثم النظر بعد ذلك إلى صيغة التوقيت والرسوم وظروف الدراسة.
المصطفى توفيق
10 غشت 2026
بلاغ توضيحي لشبكة العمداء – كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان 👇
https://share.google/MY95Yzr1y56M8IXe5