يعد اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) وغيره من الاضطرابات المرتبطة بالتجارب المؤلمة من أبرز القضايا النفسية التي تفرض نفسها في عالم اليوم، خصوصا مع تزايد الحروب والكوارث الطبيعية وحوادث العنف والخسارات المفاجئة. وفي هذا السياق، برزت مقاربات علاجية حديثة تسعى إلى التعامل مع آثار الصدمة ليس فقط من خلال الحديث عنها، بل عبر إعادة تنظيم طريقة تخزينها في الدماغ. ومن بين هذه المقاربات، يظهر علاج إزالة التحسس وإعادة المعالجة بحركات العين (EMDR) كأحد أكثر الأساليب انتشارا في العلاج النفسي المعاصر.
وفي الحوار الذي أجرِي مع الدكتورة فرانسين شابيرو، المؤسسة الأولى لهذا النهج العلاجي، يتم تقديم رؤية معمقة حول نشأة EMDR، فلسفته، وآلية عمله، إضافة إلى تفكيك عدد من التصورات الخاطئة المرتبطة به. ويعتبر هذا الحوار فرصة لفهم الخلفية العلمية والمنهجية لهذا العلاج، ولماذا أصبح معتمدا في عدة دول ومراكز علاجية حول العالم.
1. فرانسين شابيرو واكتشاف نقطة التحول
تستعرض فرانسيس شابيرو خلال الحوار كيف قادتها ملاحظة بسيطة إلى اكتشاف منهج علاجي متكامل. فقد لاحظت أثناء مرورها بتجربة شخصية ضاغطة أن تحريك عينيها بشكل تلقائي أثناء التفكير في الأفكار السلبية جعل تلك الأفكار أقل إزعاجا. هذه الملاحظة تحولت لاحقا إلى مشروع بحثي وعلمي، هدفه فهم العلاقة بين حركة العين والتوتر النفسي، ثم تطور تدريجيا إلى ما أصبح يعرف اليوم بـ EMDR.
وتؤكد شابيرو أن العلاج لم يكن وليد المصادفة وحدها، بل ثمرة سنوات من البحث والتطوير والتجريب، ما جعله ينتقل من مجرد تقنية بسيطة إلى نموذج علاجي شامل قائم على خطوات دقيقة ومنظمة.
2. فكرة محورية: المشكلة ليست الحدث بل الذاكرة غير المعالجة
من أهم النقاط التي شددت عليها شابيرو في الحوار أن الإنسان لا يعاني فقط من الحدث الصادم في ذاته، بل من الطريقة التي يتم بها تخزين هذا الحدث داخل الدماغ. فعندما تكون التجربة شديدة ومؤلمة، قد يفشل الدماغ في "هضمها" أو معالجتها بالشكل الطبيعي، مما يؤدي إلى تخزينها كذكرى خام وغير منظمة، تحمل معها نفس المشاعر والانفعالات التي حدثت أثناء الصدمة.
وبالتالي، فإن الشخص قد لا يعيش الصدمة مرة واحدة فقط، بل يعيد عيشها مرارا من خلال:
الكوابيس،
الاسترجاع القهري للذكريات (Flashbacks)،
القلق المستمر،
نوبات الخوف،
الإحساس بالتهديد رغم زوال الخطر.
وهنا تبرز فلسفة EMDR: تحرير الذاكرة من طابعها المؤلم عبر إعادة معالجتها داخل الجهاز العصبي.
3. EMDR ليس مجرد تحريك للعينين
تحرص شابيرو على تصحيح فهم شائع يرى أن EMDR مجرد تقنية تعتمد على تحريك العينين. فهي توضح أن حركة العينين أو أي تحفيز ثنائي الجانب (مثل الأصوات أو اللمس المتبادل) هو عنصر مساعد داخل عملية أوسع.
وتؤكد أن العلاج يقوم على نموذج يسمى نموذج معالجة المعلومات التكيفية (Adaptive Information Processing Model)، والذي يفترض أن الدماغ يمتلك قدرة طبيعية على شفاء نفسه، لكنه يتعطل عندما تكون الصدمة قوية، فيبقى الحدث عالقا في النظام العصبي.
ومن هنا فإن التحفيز الثنائي لا يستخدم كهدف مستقل، بل كأداة لتحفيز الدماغ على استئناف عملية المعالجة الطبيعية التي توقفت بسبب الصدمة.
4. لماذا ينجح EMDR في تقليل الألم النفسي؟
تشير شابيرو في الحوار إلى أن نجاح EMDR يكمن في أنه يساعد الشخص على استحضار الذكرى الصادمة ضمن سياق علاجي آمن، ثم يوجه الدماغ لإعادة تنظيمها تدريجيا. وفي هذه العملية يحدث ما يشبه "تفكيك" الشحنة الانفعالية المصاحبة للذكرى.
فبدل أن تبقى الذاكرة حاضرة وكأنها تحدث الآن، تتحول إلى ذكرى عادية تنتمي للماضي، دون أن تستمر في إثارة الخوف أو الألم أو العجز.
كما تبرز شابيرو أن العلاج لا يهدف إلى محو الذكريات أو إنكارها، بل إلى تغيير طريقة تأثيرها على الشخص، بحيث يصبح قادرا على تذكر الحدث دون أن ينكسر نفسيا أو يتفاعل معه بشكل قهري.
5. الانتقال من الاعتقادات السلبية إلى الاعتقادات الإيجابية
يتطرق الحوار أيضا إلى نقطة مهمة تتعلق بالجانب المعرفي داخل العلاج. فالصدمة لا تترك فقط مشاعر مؤلمة، بل تزرع في الإنسان اعتقادات سلبية عن ذاته والعالم، مثل:
"أنا ضعيف"
"أنا غير آمن"
"لا يمكن الوثوق بأحد"
"الناس سيؤذونني دائماً"
وترى شابيرو أن EMDR يساعد على تفكيك هذه الاعتقادات وإعادة بناء تصور جديد أكثر توازنا، مثل:
"أنا قادر على الحماية"
"الحدث انتهى"
"أنا أستحق الأمان"
"أنا نجوت وأستطيع التقدم"
وهذا ما يجعل العلاج لا يقتصر على إزالة الألم فقط، بل يساهم في إعادة بناء الهوية النفسية للشخص بعد الصدمة.
6. توسيع مجالات العلاج خارج PTSD
رغم أن EMDR اشتهر أساسا في علاج اضطراب ما بعد الصدمة، تشير شابيرو في الحوار إلى أن استعمالاته توسعت لتشمل حالات نفسية أخرى مثل:
القلق العام،
الرهاب،
الاكتئاب المرتبط بتجارب مؤلمة،
الحزن المعقد،
آثار العنف الأسري أو الطفولة الصعبة.
وتوضح أن السبب في ذلك يعود إلى أن كثيرا من الاضطرابات النفسية، في جذورها العميقة، ترتبط بتجارب سابقة لم يتم التعامل معها بشكل صحي أو بقيت مخزنة داخل الجهاز العصبي كألم غير معالج.
7. EMDR كعلاج مبني على الدليل وليس موضة علاجية
من الرسائل الواضحة في الحوار أن شابيرو تسعى لتأكيد الطابع العلمي لـ EMDR، وأنه ليس علاجا شعبويا أو مبنيا على الخيال. بل تم تطويره وفق أبحاث وتجارب إكلينيكية متراكمة، وتم اعتماده في عدة بروتوكولات علاجية دولية.
كما توضح أن نجاحه لا يرتبط بالسحر أو بالاقتراح، بل بكونه يتعامل مع الدماغ بطريقة تسمح له بإكمال عملية المعالجة العصبية التي تعطلت أثناء الصدمة.
في الختام، يقدم الحوار مع الدكتورة فرانسين شابيرو رؤية واضحة حول العلاج بـ EMDR باعتباره منهجا علاجيا متكاملا يركز على معالجة الجذور العصبية والنفسية للصدمة، وليس فقط على أعراضها الظاهرة. ومن خلال تفسيرها لمفهوم "الذاكرة غير المعالجة"، تضع شابيرو أساسا علميا لفهم لماذا تبقى الصدمات عالقة داخل الإنسان رغم مرور الزمن، وكيف يمكن للعلاج النفسي أن يفتح طريقا نحو التحرر منها.
إن أهمية هذا الحوار لا تكمن فقط في عرض تقنية علاجية، بل في تقديم تصور جديد لفهم الألم النفسي باعتباره نتيجة لتوقف نظام الدماغ عن المعالجة الطبيعية. كما يؤكد الحوار أن الشفاء لا يعني نسيان الماضي، بل القدرة على تذكره دون أن يتحول إلى سجن نفسي يكرر المعاناة.
وعليه، يمكن القول إن EMDR يمثل تحولا نوعيا في طرق التعامل مع الصدمة النفسية، ويؤكد أن الإنسان يمتلك قابلية فطرية للتعافي، متى توفرت له الأدوات العلاجية المناسبة والبيئة النفسية الآمنة.
8 فبراير 2026
EMDR interview Francine Shapiro 👇
https://youtu.be/8GUd5hhnkVE?si=1oRvcohgWDqUS1mq