بقلم: المصطفى توفيق
خريج جامعة عبد المالك السعدي – تطوان
شعبة التميز في علم النفس الإكلينيكي والمرضي
متدرب سابق بمستشفى الرازي للأمراض العقلية – تطوان
تاريخ النشر: 26 يناير 2026
رابط النشر:
https://www.alitihad.ma/2026/01/blog-post_26.html
الملخص
تسعى هذه المقالة إلى تحليل العلاقة التفاعلية بين الذات بوصفها منتجا للمعنى، والدماغ بوصفه وسيطا عصبيا لتجسيد المعاناة النفسية في شكل أعراض قابلة للرصد. تنطلق الدراسة من نقد المقاربات الاختزالية في الطب النفسي التي تركز على البعد البيولوجي أو العصبي دون مراعاة التجربة الذاتية للفرد. استنادا إلى الأدبيات الحديثة في الطب النفسي الظاهراتي وعلم الأعصاب النفسي (Kyzar & Denfield, 2023; Kao et al., 2023)، تم إبراز كيف تنتج الذات معنى التجربة، وكيف يعكس الدماغ هذا المعنى في أنماط نشاط عصبي قابلة للقياس. كما تم دمج دراسة تجريبية حديثة باستخدام fMRI تبين أن الخبرة الذاتية للعواطف، مثل الخوف، يمكن تمثيلها في شبكة عصبية موزعة تشمل القشرة الأمامية، القشرة الحزامية، والنواة اللوزية (Zhou et al., 2021). وتخلص المقالة إلى أن فهم المعاناة النفسية يستدعي اعتماد نموذج تكاملي يربط بين المعنى الذاتي والنشاط الدماغي، لتطوير تدخلات علاجية أكثر شمولية وفعالية.
الكلمات المفتاحية: الذات، المعنى، الأعراض النفسية، التجربة المعاشة، النشاط الدماغي، fMRI، الطب النفسي التكاملي.
المقدمة
شهد علم النفس الإكلينيكي والطب النفسي تطورا ملحوظا في فهم الآليات العصبية للاضطرابات النفسية، مدفوعا بتقنيات التصوير العصبي الحديثة مثل fMRI، والتي تمكن من رصد أنماط النشاط الدماغي المرتبطة بالعواطف والتجارب الذاتية. غير أن هذه التطورات غالبا ما رافقها ميل نحو اختزال المعاناة النفسية في مؤشرات عصبية مجردة، متجاهلة البعد الشخصي والمعنى الذاتي للتجربة (Kyzar & Denfield, 2023).
تشير الأدلة الحديثة إلى أن الأعراض النفسية ليست مجرد نتاج خلل عصبي، بل تتشكل داخل سياق ذاتي يعكس تاريخ الفرد، تمثلاته لذاته، وطريقة تفسيره للأحداث الحياتية (Kao et al., 2023). ومن هنا تنبع أهمية إدماج الذات والمعنى ضمن الفهم العصبي للسلوك النفسي، بما يسمح بتطوير تدخلات علاجية أكثر شمولية وفعالية.
منهجية البحث
اتبعت المقالة منهجية تحليلية نوعية قائمة على مراجعة الأدبيات الحديثة (2020–2023)، مستخلصة من:
مجلات علمية محكمة تشمل: Molecular Psychiatry, Neuroscience & Biobehavioral Reviews, وNature Communications.
دراسات تناولت العلاقة بين التجربة الذاتية، المعنى، والنشاط الدماغي، مع وجود DOI حقيقي.
دمج دراسة تجريبية واحدة باستخدام fMRI لقياس الخبرة الذاتية للعواطف (Zhou et al., 2021).
تم تحليل المحتوى وفق المنهج المفاهيمي والتحليلي، مع التركيز على الربط بين النظرية العصبية وتجربة الذات، وتوضيح انعكاس هذا التكامل على الممارسة الإكلينيكية.
البحث والمناقشة
أولا: الذات بوصفها منتجا للمعنى
الذات ليست مجرد وعاء للأفكار أو المشاعر، بل هي النظام الذي يفسر الخبرة ويمنحها معنى شخصيا. فالمعنى ليس خاصية ثابتة للحدث بحد ذاته، بل نتيجة لتفسير الفرد للحدث ضمن سياق تجربته وخبراته السابقة (Kyzar & Denfield, 2023).
على سبيل المثال، فقدان العمل قد يولد شعورا بالقلق والاكتئاب، لكن طبيعة هذه الاستجابة تعتمد على معنى الحدث الذي تمنحه الذات:
إذا اعتبره فرصة للنمو والتغيير، قد يكون القلق مؤقتا وتحفيزيا.
إذا رأى الحدث تهديدا لهويته، يتحول القلق إلى أعراض مزمنة مصحوبة بفقدان المعنى.
وهكذا، تظهر الذات دورها المركزي في تكوين الأعراض النفسية، وليس فقط كمرجع نظري.
ثانيا: الدماغ كوسيط لتجسيد التجربة الذاتية
من منظور علم الأعصاب النفسي، ينظر إلى الدماغ كوسيط يترجم الخبرة الذاتية إلى استجابات عصبية، فسيولوجية، وسلوكية قابلة للرصد. تشير الدراسات إلى أن المشاعر والتقييمات الذاتية تشفر في أنماط موزعة من النشاط العصبي (Kao et al., 2023).
وتدعم الدراسة التجريبية الحديثة fMRI هذا المفهوم: أظهر Zhou et al. (2021) أن تجربة الخوف الذاتية يمكن تمثيلها في شبكة عصبية موزعة تشمل القشرة الأمامية، القشرة الحزامية، والنواة اللوزية، وليس فقط مركزا واحدا. وباستخدام نماذج تنبؤية للحالة العصبية، تمكن الباحثون من التنبؤ بمستوى الخبرة الذاتية للعاطفة بناء على النشاط الدماغي.
هذا يوضح أن النشاط العصبي لا يعمل بمعزل عن المعنى الذي تمنحه الذات للتجربة، وأن التغيرات العصبية تعكس تفاعل الذات مع الأحداث وليس مجرد استجابة عشوائية أو بيولوجية.
ثالثا: التكامل بين الذات والمعنى والنشاط العصبي
الفهم الأمثل للاضطراب النفسي يتطلب ربط التجربة الذاتية بالنشاط الدماغي، بحيث تعكس الأعراض النفسية شبكة ديناميكية من التفاعلات بين المعنى الذاتي والاستجابات العصبية (Kyzar & Denfield, 2023).
مثال توضيحي: نوبة هلع في مكان عام
على مستوى الدماغ: نشاط مفرط في الجهاز العصبي السمبثاوي → خفقان القلب، تعرق، ضيق التنفس.
على مستوى الذات: تفسير النوبة كتهديد شخصي أو فقدان للسيطرة → يزيد القلق ويؤثر على سلوكياته اليومية.
الدماغ والذات معا يولدان حلقة معززة من الأعراض النفسية.
هنا يصبح من الواضح أن أي تدخل علاجي فعال يجب أن:
يعالج الأعراض الظاهرة على مستوى الدماغ.
يأخذ في الاعتبار المعنى الذاتي الذي تمنحه الذات للتجربة.
رابعا: الانعكاسات الإكلينيكية للنموذج التكاملي
اعتماد نموذج تكاملي بين الذات والنشاط الدماغي يتيح تطوير تدخلات أكثر شمولية وفعالية. فمن الناحية العملية:
إدماج التجربة الذاتية في التشخيص يزيد دقة التقييم (Kyzar & Denfield, 2023).
تعديل التقييم الذاتي للحدث يؤدي إلى تغيرات في النشاط العصبي وبالتالي تخفيف الأعراض (Kao et al., 2023).
استخدام المعرفة العصبية التجريبية (fMRI) يدعم تصميم تدخلات دقيقة ومخصصة لكل فرد (Zhou et al., 2021).
وهكذا يحقق العلاج التكامل بين البعد النفسي، المعنى الذاتي، والبعد العصبي.
الخاتمة
تؤكد الأدلة النظرية والتجريبية أن المعاناة النفسية ليست مجرد خلل عصبي أو بناء نفسي مجرد، بل هي نتاج تفاعل مستمر بين الذات، المعنى، والنشاط الدماغي. إدماج التجربة الذاتية والمعنى ضمن الفهم العصبي للأعراض يتيح تطوير نموذج تكاملي يمكنه تحسين التشخيص، تعزيز فعالية التدخل العلاجي، والحفاظ على البعد الإنساني للمعاناة النفسية.
باختصار، الإنسان كيان متعدد الأبعاد، وفهم اضطرابه النفسي يتطلب النظر في التجربة الذاتية، المعنى، والنشاط الدماغي كوحدة متكاملة، لا يمكن فصل أي جانب عن الآخر دون خسارة جوهرية في التشخيص والعلاج.
المراجع (APA)
Kao, C.-H., Feng, G. W., Hur, J. K., Jarvis, H., & Rutledge, R. B. (2023).
Computational models of subjective feelings in psychiatry. Neuroscience & Biobehavioral Reviews, 145, 105008.
https://doi.org/10.1016/j.neubiorev.2022.105008
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0149763422004973?via%3Dihub
Kyzar, E. J., & Denfield, G. H. (2023).
Taking subjectivity seriously: Towards a unification of phenomenology, psychiatry, and neuroscience. Molecular Psychiatry, 28(1), 10–16.
https://doi.org/10.1038/s41380-022-01891-2
https://www.nature.com/articles/s41380-022-01891-2
Zhou, F., Zhao, W., Qi, Z., Geng, Y., Yao, S., Kendrick, K. M., Wager, T. D., & Becker, B. (2021).
A distributed fMRI‑based signature for the subjective experience of fear. Nature Communications, 12(1), Article 6643.
https://doi.org/10.1038/s41467-021-26977-3
https://www.nature.com/articles/s41467-021-26977-3
