الذات والمعنى والأعراض: بين التجربة الإنسانية والنشاط الدماغي

 



بقلم المصطفى توفيق

خريج جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، شعبة التميز في علم النفس الإكلينيكي والمرضي، ومتدرب سابق بمستشفى الرازي للأمراض العقلية

تاريخ النشر: 26 يناير 2026

رابط النشر :

https://www.alitihad.ma/2026/01/Psychologie%20_0315543124.html?m=1



الملخص


تتناول هذه المقالة العلاقة بين المعنى الذاتي والنشاط العصبي في الصحة النفسية، مستندة إلى الدراسات العلمية الحديثة بين 2020 و2025. تهدف الدراسة إلى تقديم فهم متكامل لكيفية تكوين المعاناة النفسية، من خلال دمج البعد النفسي والتجربة الذاتية مع النشاط الدماغي الذي يعكس هذه التجربة على شكل أعراض قابلة للرصد والقياس. تشير النتائج إلى أن التدخل العلاجي الفعال ينبغي أن يأخذ في الحسبان التكامل بين النشاط العصبي والتفسير الذاتي، بما يدعم العلاج الشمولي للأعراض النفسية، ويعزز قدرة الفرد على معالجة جذورها العميقة (Zhang et al., 2024; Rinaudo et al., 2025).


المقدمة


ينظر إلى الإنسان بوصفه كيانا متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجوانب النفسية والاجتماعية والثقافية مع العمليات البيولوجية والعصبية، في شبكة معقدة تسهم في تشكيل التجربة الذاتية للفرد. ولا يمكن فهم السلوك الإنساني أو المعاناة النفسية بمعزل عن هذا التفاعل المستمر بين ما هو ذاتي وما هو عضوي، إذ إن التجربة النفسية لا تختزل في نشاط دماغي صرف، كما لا تنفصل في الوقت ذاته عن الأسس العصبية التي تمكن من ظهورها وتجسدها.


وفي هذا السياق، تشير المقاربات المعاصرة إلى أن المعاناة النفسية ليست مجرد نتيجة مباشرة لاختلالات بيولوجية قابلة للقياس، بل هي تجربة ذات معنى، تتشكل من خلال الطريقة التي يدرك بها الفرد أحداث حياته ويفسرها ويمنحها دلالات شخصية. فالمعنى الذاتي الذي يبنيه الفرد حول ذاته والعالم يلعب دورا محوريا في كيفية ظهور الأعراض النفسية، واستمراريتها، وحدتها، كما يؤثر في مسار التكيف أو الانتكاس.


وتظهر الدراسات الحديثة أن العوامل السياقية، وعلى رأسها الدعم الاجتماعي وتفسير الذات للأحداث الضاغطة، يمكن أن تعدل من شدة الأعراض النفسية، كما قد تنعكس على الوظائف العصبية المرتبطة بتنظيم الانفعال، والانتباه، والاستجابة للضغط النفسي. ويؤكد ذلك أن النشاط الدماغي لا يعمل في فراغ، بل يتأثر بالبناء المعنوي للتجربة وبالعلاقات الاجتماعية التي ينخرط فيها الفرد، ما يعزز أهمية فهم الدماغ ضمن سياقه النفسي والإنساني الأشمل (Zhang et al., 2024; Rinaudo et al., 2025).


انطلاقا من هذا التصور، تبرز الحاجة إلى تجاوز النماذج الاختزالية التي تفصل بين الذاتي والبيولوجي، واعتماد مقاربة تكاملية ترى في الأعراض النفسية تعبيرا عن تفاعل دينامي بين المعنى الشخصي والآليات العصبية. وهو ما يفتح المجال لتطوير فهم أكثر شمولا للاضطراب النفسي، ويمهد لتدخلات علاجية تراعي الفرد في كليته، بدل الاقتصار على معالجة مظاهر العرض بمعزل عن التجربة التي تمنحه دلالته.


منهجية البحث


اتبعت هذه المقالة منهج مراجعة الأدبيات الحديثة من 2020 حتى 2025، مع التركيز على الدراسات التي تناولت:

العلاقة بين النشاط العصبي والوظائف المعرفية العليا وتأثيرها على تجربة القلق والاكتئاب.

دور الذات والتفسير النفسي للأحداث في تعديل الأعراض النفسية.

التكامل بين النموذج البيولوجي–النفسي–الاجتماعي.

تمت مراجعة قواعد بيانات متعددة تشمل PubMed، Frontiers in Psychology، وPLOS ONE، وشملت الدراسات الكمية والكيفية والمراجعات المنهجية التي تناولت العلاقة بين النشاط العصبي والمعنى الذاتي (Zhang et al., 2024; Rinaudo et al., 2025).


البحث والمناقشة


1. الذات كمنتج للمعنى

تشير الدراسات الحديثة إلى أن التفسير الذاتي للأحداث النفسية يغير من شدة الأعراض العصبية للجهاز العصبي السمبثاوي ويؤثر على نشاط اللوزة الدماغية والقشرة الأمامية الجبهية (Zhang et al., 2024).

كما أن الدعم الاجتماعي والتفاعلات المحيطة يمكن أن يقلل من شدة التجربة العصبية ويعزز القدرة على التعامل مع الضغط النفسي (Rinaudo et al., 2025).


2. الدماغ كمنتج للأعراض

النشاط الدماغي يعكس التجربة الذاتية عبر شبكات عصبية محددة، بما في ذلك اللوزة الدماغية والقشرة الأمامية والجهاز الحوفي.

الأعراض الجسدية مثل خفقان القلب أو اضطرابات النوم ترتبط بتغيرات في هذه المناطق العصبية.

الأعراض السلوكية مثل الانعزال الاجتماعي وصعوبة التركيز ترتبط بالنشاط في القشرة الأمامية وجهاز المكافأة العصبي (Zhang et al., 2024).

تشير مراجعات منهجية حديثة إلى أن النشاط العصبي يمكن أن يتغير بحسب الدعم الاجتماعي والتفسيرات الذاتية للأحداث (Rinaudo et al., 2025).


3. التكامل بين الذات والدماغ

الفهم الشامل للاضطراب النفسي يتطلب دمج البعد النفسي والبيولوجي، حيث:

الذات تمنح التجربة معنى وتفسر السياق الشخصي للمعاناة.

الدماغ يعكس هذه التجربة في شكل أعراض قابلة للرصد والقياس.

يوضح هذا التكامل أهمية العلاج الذي يجمع بين التدخلات السلوكية والدعم الاجتماعي لتعزيز الصحة النفسية (Zhang et al., 2024; Rinaudo et al., 2025).


4. التطبيقات السريرية

يعكس هذا التكامل ضرورة أن يكون العلاج النفسي متعدد المستويات:

تقنيًا: التعامل مع الأعراض البيولوجية مثل اضطرابات النوم أو خفقان القلب.

نفسيا: معالجة التفسيرات الذاتية المشوهة للأحداث.

اجتماعيا: دعم الشبكات الاجتماعية وتعزيز التفاعلات الاجتماعية الواقية.

تشير الأدلة إلى أن النهج الشمولي يقلل من الانتكاسات ويعزز الصحة النفسية الطويلة المدى (Zhang et al., 2024; Rinaudo et al., 2025).


الخاتمة

يظهر هذا البحث أن الإنسان لا يمكن اختزاله في بعد واحد، سواء كان عصبيا أو سلوكيا أو تشخيصيا، بل هو كيان متعدد الأبعاد تتشابك فيه الذات، باعتبارها حاملا للمعنى والتجربة المعاشة، مع البنى والوظائف الدماغية التي تمكن من تجسيد هذه التجربة على مستوى الأعراض النفسية القابلة للرصد. وتكشف النتائج أن الأعراض لا تمثل مجرد خلل بيولوجي معزول، ولا تعبيرا ذاتيا صرفا، بل هي نتاج تفاعل دينامي بين المعنى الذي يمنحه الفرد لتجاربه الحياتية والآليات العصبية التي تواكب هذا المعنى وتترجمه.

إن اعتماد نهج تكاملي يربط بين البعد الذاتي والبعد العصبي يتيح تجاوز الانقسامات التقليدية بين المقاربات الاختزالية والمقاربات الظاهراتية، ويفتح أفقا لفهم أكثر عمقا للمعاناة النفسية بوصفها تجربة إنسانية متجسدة. كما يسمح هذا المنظور بإعادة التفكير في الممارسة الإكلينيكية، ليس فقط من حيث التشخيص، بل أيضا من حيث بناء العلاقة العلاجية، وفهم مسار الأعراض، وتقييم التحسن العلاجي خارج منطق اختفاء العرض وحده.

وعلى المستوى التطبيقي، يوفر هذا التصور التكاملي أساسا علميا وأخلاقيا لتطوير تدخلات علاجية شاملة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الفردية للمريض، وتدمج بين العمل على المعنى، والتجربة الذاتية، والتنظيم العصبي. وهو ما يعزز احترام كرامة الفرد، ويحد من ممارسات الوصم والاختزال، ويدعم قدرة الشخص على التكيف النفسي وإعادة بناء توازنه الذاتي داخل سياقه الحياتي.

وفي الختام، يؤكد هذا البحث أن مستقبل علم النفس الإكلينيكي يمر عبر تجاوز الثنائيات المبسطة، والانفتاح على نماذج تفسيرية مركبة ترى في الإنسان ذاتا متجسدة، وفي الأعراض خطابا نفسيا-عصبيا يستدعي الفهم قبل التدخل، والمعنى قبل التصحيح. 


قائمة المراجع (APA)


Rinaudo, C. M., Van de Velde, M., Steyaert, A., & Mouraux, A. (2025). Navigating the biopsychosocial landscape: A systematic review on the association between social support and chronic pain. PLOS ONE, 20(4), e0321750. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0321750

https://journals.plos.org/plosone/article?id=10.1371/journal.pone.0321750

Zhang, Y., Shaojun, C., Akintunde, T. Y., Okagbue, E. F., Isangha, S. O., & Musa, T. H. (2024). Life course and mental health: a thematic and systematic review. Frontiers in Psychology, 15, Article 1329079. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2024.1329079

https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2024.1329079/full