المصطفى توفيق
خريج جامعة عبد المالك السعدي بتطوان
شعبة التميز في علم النفس الإكلينيكي والمرضي
متدرب سابق بمستشفى الرازي للأمراض العقلية
تاريخ النشر: 26 يناير 2026
رابط النشر:
https://www.alitihad.ma/2026/01/Psychologie.html
الملخص
تهدف هذه المقالة إلى تقديم مقاربة متعددة الأبعاد لفهم التجربة الإنسانية والمعاناة النفسية، من خلال تجاوز التفسيرات الأحادية التي تختزل الاضطراب النفسي في بعد بيولوجي أو نفسي منفرد. تنطلق الدراسة من الأدبيات المعاصرة في النموذج البيولوجي–النفسي–الاجتماعي، مع توسيعه ليشمل أبعادا ثقافية وبيئية ووجودية وروحية وبنيوية. تعتمد المقالة منهج مراجعة الأدبيات الحديثة (2020–2026)، وتناقش كيفية تفاعل هذه الأبعاد في تشكيل المعنى الذاتي للمعاناة النفسية. وتخلص الدراسة إلى أن الفهم الشامل للتجربة الإنسانية يقتضي مقاربة تكاملية لا تكتفي بتفسير الأعراض، بل تنصت إلى السياق والمعنى والسيرة الفردية، بما يعزز ممارسة إكلينيكية أكثر إنسانية وأخلاقية.
الكلمات المفتاحية: المعاناة النفسية، النموذج البيولوجي–النفسي–الاجتماعي، التجربة الذاتية، المقاربة التكاملية، علم النفس الإكلينيكي.
المقدمة
يعد الإنسان من أكثر الكائنات تعقيدا، إذ لا يمكن فهم تجربته النفسية أو معاناته من خلال منظور واحد أو تفسير أحادي. ورغم التقدم الكبير الذي عرفته علوم الأعصاب والبيولوجيا النفسية في تفسير بعض مظاهر الاضطراب النفسي، فإن هذه التفسيرات تظل محدودة إذا ما عزلت عن السياقات النفسية والاجتماعية والثقافية التي تمنح التجربة الإنسانية معناها. وقد أكدت الأدبيات المعاصرة على ضرورة تجاوز الاختزال لصالح نماذج أكثر شمولية تراعي التفاعل الدينامي بين مختلف أبعاد الوجود الإنساني (Seyed Alitabar, 2025).
في هذا السياق، يبرز النموذج البيولوجي–النفسي–الاجتماعي بوصفه إطارا مرجعيا أساسيا في فهم الصحة النفسية، غير أن تطورات البحث العلمي الحديثة دعت إلى توسيعه ليشمل أبعادا إضافية مثل البيئة، الثقافة، الوجود، والروحانية، فضلا عن الشروط البنيوية والسياسية التي تؤطر معيش الأفراد (Frontiers Editorial, 2025).
تهدف هذه المقالة إلى تقديم قراءة تكاملية للتجربة الإنسانية والمعاناة النفسية، من خلال تحليل الأبعاد المتعددة التي تسهم في تشكيلها، بما يساهم في إثراء الممارسة الإكلينيكية وتطوير فهم أكثر عمقا وإنسانية للاضطراب النفسي.
منهجية البحث
تعتمد هذه الدراسة منهج مراجعة الأدبيات النظرية والمنهجية، من خلال تحليل مجموعة من الأبحاث والمراجعات العلمية الحديثة المنشورة بين 2020 و2026 في مجلات علمية محكمة. تم التركيز على الدراسات التي تناولت النموذج البيولوجي–النفسي–الاجتماعي وتوسيعاته المعاصرة، إضافة إلى الأبحاث التي ناقشت الأبعاد الاجتماعية والثقافية والبيئية والوجودية للصحة النفسية. وقد شملت المراجع دراسات كمية وكيفية ومقالات نظرية، بما يسمح بتكوين تصور شامل ومتكامل حول موضوع الدراسة.
النتائج والمناقشة
1. البعد البيولوجي
تشير الأدبيات الحديثة إلى أهمية العوامل البيولوجية في فهم بعض مظاهر الاضطراب النفسي، خاصة ما يتعلق بوظائف الدماغ والتنظيم العصبي–الكيميائي. غير أن هذه العوامل، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لشرح التجربة الذاتية للمعاناة النفسية، مما يستدعي إدماجها ضمن إطار تفسيري أوسع (Seyed Alitabar, 2025).
2. البعد النفسي
يركز البعد النفسي على التجربة الذاتية للفرد، بما تحمله من مشاعر وأفكار وتأويلات للحدث. وتؤكد الدراسات أن المعاناة النفسية لا ترتبط فقط بالحدث في حد ذاته، بل بالمعنى الذي يمنحه له الفرد ضمن تاريخه الشخصي وبنيته النفسية (Frontiers Editorial, 2025).
3. البعد الاجتماعي
تلعب العلاقات الاجتماعية والدعم الاجتماعي دورا محوريا في الوقاية من الاضطرابات النفسية والتخفيف من حدتها. فقد أظهرت دراسات حديثة أن الدعم الاجتماعي يسهم في تحسين الرفاه النفسي، خاصة لدى الأفراد الذين يعانون من القلق أو الاكتئاب في سياقات مرضية أو ضاغطة (Rinaudo et al., 2025).
4. البعد الثقافي
تشكل الثقافة الإطار الرمزي الذي تفهم من خلاله المعاناة النفسية ويعبرعنها. فالأعراض النفسية ليست محايدة ثقافيا، بل تتخذ أشكالا مختلفة حسب القيم والمعتقدات السائدة، مما يفرض على الممارسة الإكلينيكية مراعاة الخصوصيات الثقافية في التشخيص والتدخل (Frontiers Editorial, 2025).
5. البعد البيئي
تؤكد الأبحاث الحديثة أن الظروف البيئية، مثل التلوث والضجيج والاكتظاظ الحضري، تشكل عوامل ضغط مزمنة تؤثر سلبا في الصحة النفسية. ويبرز هذا البعد أهمية النظر إلى المعاناة النفسية ضمن المحيط المادي الذي يعيش فيه الفرد (Frontiers Editorial, 2025).
6. الأبعاد الوجودية والروحية والبنيوية
تشير الأدبيات إلى أن بعض أشكال المعاناة النفسية ترتبط بأزمات معنى أو فراغ وجودي، لا يمكن اختزالها في عوامل بيولوجية أو نفسية فقط. كما تلعب الروحانية دورا مهما لدى بعض الأفراد في التكيف مع الألم والمعاناة. من جهة أخرى، تؤثر الشروط البنيوية، مثل الفقر والهشاشة والسياسات الاجتماعية، في الصحة النفسية، مما يستدعي فهم المعاناة ضمن سياقها المجتمعي الواسع (Frontiers Editorial, 2025).
الخاتمة
تبين هذه الدراسة أن المقاربات الأحادية في فهم التجربة الإنسانية والمعاناة النفسية تظل قاصرة عن الإحاطة بتعقيد الوجود الإنساني. فالمعاناة النفسية نتاج تفاعل دينامي بين أبعاد بيولوجية ونفسية واجتماعية وثقافية وبيئية ووجودية وبنيوية. إن تبني مقاربة متعددة الأبعاد لا يمثل فقط خيارا علميا، بل ضرورة أخلاقية في العمل الإكلينيكي، لما توفره من فهم أعمق للذات الإنسانية واحترام لمعنى التجربة الفردية. وعليه، فإن أي تدخل نفسي فعال ينبغي أن يوازن بين معالجة الأعراض وفهم السياق الشامل الذي يمنحها معناها.
قائمة المراجع (APA – 2020–2026)
Frontiers Editorial. (2025). Normativity and health promotion across biopsychosocial ecosystems. Frontiers in Psychology, 16, 1570813. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2025.1570813
https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2025.1570813/full
Rinaudo, C. M., Van de Velde, M., Steyaert, A., & Mouraux, A. (2025). Navigating the biopsychosocial landscape: A systematic review on the association between social support and chronic pain. PLOS ONE, 20(4), e0321750. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0321750
https://journals.plos.org/plosone/article?id=10.1371/journal.pone.0321750
Seyed Alitabar, S. H. (2025). The biopsychosocial model in modern healthcare: Overcoming barriers to holistic patient care. International Journal of Body, Mind and Culture, 12(2), 55–70. https://doi.org/10.61838/ijbmc.v12i2.950
