إشكالية “الأخصائي النفسي”: بين التخصص العلمي وضبابية الممارسة

 



في زمن أصبحت فيه الشهادات تُعلّق على الجدران أكثر مما تترجم إلى ممارسة مهنية منضبطة، يطفو إلى السطح جدلٌ متجدد حول مفهوم “الأخصائي النفسي”، وحدود هذا اللقب، والمعايير التي تمنحه المشروعية العلمية والمهنية.


فبينما يفترض أن يرتبط هذا التوصيف بتكوين متخصص صارم، وتدريب ميداني، وأهلية قانونية واضحة للممارسة، يتوسع الاستعمال الاجتماعي للمصطلح بشكل يثير الكثير من الالتباس، حيث بات يقدّم أحيانًا كصفة عامة لكل من درس علم النفس، بغض النظر عن طبيعة تخصصه أو مجال اشتغاله.


في هذا السياق، برزت ظاهرة “الأخصائي النفسي الشامل”، وهو توصيف غير أكاديمي بقدر ما هو توصيف نقدي لواقع تتداخل فيه الحدود بين التخصصات. فطالب علم النفس الاجتماعي، الذي يشتغل أساسا على دراسة تأثير الجماعات والسياقات الاجتماعية، قد يقدّم أحيانا باعتباره مؤهلا لممارسة العلاج النفسي. كما أن المتخصص في علم النفس الإعلامي، المعني بتحليل الرسائل الإعلامية وسلوك الجمهور، قد يجد نفسه منسوبا إلى مجال الممارسة الإكلينيكية دون تكوين سريري واضح.


الأمر نفسه ينسحب على مجالات أخرى داخل علم النفس المعاصر، مثل علم النفس المعرفي العصبي، الذي يدرس العلاقة بين الدماغ والسلوك، أو علم النفس الجنائي والقانوني، المرتبط بالسياقات القضائية والخبرة السلوكية، وهي تخصصات علمية دقيقة، لكنها لا تُفضي تلقائيا إلى صفة “المعالج النفسي”.


وفي خضم هذا التداخل، تتسع دائرة الاستخدام غير الدقيق لمصطلح “الأخصائي النفسي”، ليشمل أحيانا أساتذة جامعيين، أو باحثين، أو ممارسين في مجالات نظرية أو تطبيقية غير علاجية، ما يطرح إشكالًا حقيقيا يتعلق بحدود الصفة المهنية، والفصل بين التكوين الأكاديمي والممارسة الإكلينيكية.


واللافت في هذا السياق أن هذا الامتداد في استعمال اللقب يترافق، في بعض الحالات، مع مطالب متزايدة بتقنين المهنة وتنظيمها قانونيا. غير أن هذا المطلب، على وجاهته من حيث المبدأ، يظل محفوفا بإشكالات مفهومية، ما دام تعريف “من هو الأخصائي النفسي” نفسه محل اختلاف، بين من يربطه بالتكوين الإكلينيكي الصرف، ومن يوسعه ليشمل مختلف فروع علم النفس النظرية والتطبيقية.


ويعيد هذا الواقع إلى الواجهة سؤالا جوهريا: هل كل من ينتمي إلى علم النفس يعدّ أخصائيا نفسيا؟ أم أن هذه الصفة تظل مرتبطة حصريا بمجال محدد من التكوين والممارسة؟


في غياب إجابة قانونية واضحة ومُلزمة، يظل المشهد مفتوحا على تعدد التأويلات، وتداخل الاختصاصات، وتفاوت مستويات الاستعمال المهني للمصطلح، بما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات النفسية، وثقة المتلقي، وحدود المسؤولية المهنية.


ويبقى السؤال مطروحا بإلحاح داخل الحقل الأكاديمي والمهني:

هل نحن أمام تعددية علمية داخل علم النفس، أم أمام توسع غير مضبوط في استعمال لقب مهني يحتاج إلى إعادة ضبط دقيقة ومؤسساتية؟


ولهذا الغرض، تنشأ اليوم عدد من النقابات والجمعيات المهنية التي تدعو إلى تقنين مهنة الأخصائي النفسي وتنظيمها، عبر وضع معايير واضحة للتكوين، وتحديد شروط الممارسة، وضبط استعمال اللقب المهني، بما يضمن حماية المهنة من التداخل، وصون حقوق المهنيين، وتعزيز ثقة المجتمع في الخدمات النفسية المقدمة


المصطفى توفيق 

25 أبريل 2026