تشهد الساحة المهنية بالمغرب حركية متزايدة في اتجاه تقنين المهن السيكولوجية، من خلال مراسلات ومبادرات ترافعية تدعو إلى ضبط شروط المزاولة وحماية المستفيدين من الخدمات النفسية. ولا شك أن هذا التوجه يشكل خطوة إيجابية نحو ترسيخ الممارسة المهنية على أسس علمية وأخلاقية واضحة، خاصة عندما يربط حق المزاولة بضرورة التوفر على تكوين جامعي متخصص.
غير أن هذه المراسلات، رغم أهميتها، تظل عامة في تحديد طبيعة هذا “التكوين المتخصص”، إذ غالبا ما تكتفي بصيغة مختصرة من قبيل “إجازة + ماستر في علم النفس”، دون الخوض في الفوارق الدقيقة بين المسارات الأكاديمية، ولا في طبيعة التخصصات التي تؤهل فعليا للممارسة الإكلينيكية. وهو ما يطرح إشكالًا حقيقيا على مستوى الفهم والتطبيق، خصوصا لدى الجهات الإدارية المكلفة بمنح التراخيص.
إن اختزال التأهيل المهني في مجرد الحصول على “إجازة + ماستر” قد يؤدي إلى نوع من التسوية بين تكوينات مختلفة من حيث العمق والمحتوى، حيث لا يمكن وضع التكوينات العامة أو النظرية في نفس مرتبة التكوينات الإكلينيكية المتخصصة التي تقوم على الانتقاء والتدرج العلمي والتدريب الميداني المكثف. فالممارسة النفسية، خاصة في بعدها العلاجي غير الدوائي، لا تقتصر على المعرفة النظرية، بل تتطلب كفايات تطبيقية تُكتسب من خلال الاحتكاك المباشر بالحالات داخل مؤسسات استشفائية وتحت إشراف مهني اكلينيكي.
من هذا المنطلق، يصبح من الضروري الانتقال من الصيغة العامة الفضفاضة إلى صيغة أكثر دقة ووضوحا، تعكس حقيقة التأهيل العلمي والمهني المطلوب. ويمكن تجسيد ذلك في اعتماد معيار أكثر تحديدًا يتمثل في:
“إجازة التميز في علم النفس الإكلينيكي والمرضي + ماستر في نفس التخصص + شهادة تدريب داخل المؤسسات الاستشفائية”.
هذه الصيغة لا تمثل فقط توصيفا أدق للمسار الأكاديمي، بل تعكس أيضًا التكامل بين البعد النظري والتطبيقي، وتبرز خصوصية التكوين الإكلينيكي الذي يختلف جوهريا عن باقي التخصصات النفسية. كما أنها تضمن حدا أدنى من الكفاءة المهنية، قائما على التخصص الدقيق والتجربة الميدانية، وهو ما ينسجم مع المعايير الدولية في مجال الصحة النفسية.
إن الرهان اليوم لا يقتصر على تقنين المهن النفسية في حد ذاته، بل يتعداه إلى جودة هذا التقنين ودقته، بما يضمن وضوح المساطر، وإنصاف الكفاءات، وحماية المواطنين من أي ممارسة غير مؤهلة. وهو ما يستدعي من مختلف المتدخلين—مؤسسات حكومية وهيئات مهنية وأكاديمية—العمل على بلورة إطار قانوني يأخذ بعين الاعتبار خصوصية التكوين الإكلينيكي، ويمنحه المكانة التي يستحقها ضمن شروط الولوج إلى المهنة السيكولوجية.
في المحصلة، يمكن القول إن المرحلة الحالية تفرض الانتقال من منطق التعميم إلى منطق التخصص، ومن الصياغات العامة إلى المعايير الدقيقة، بما يجعل من التأهيل الإكلينيكي المتكامل أساسا فعليا لممارسة مهنية مسؤولة وآمنة في مجال حساس كالصحة النفسية.
المصطفى توفيق
22 أبريل 2026
