يشهد الحقل السيكولوجي في العالم العربي، وعلى وجه الخصوص في المغرب، حركية متزايدة تتجلى في بروز جمعيات ونقابات مهنية تسعى إلى تأطير الممارسة النفسية والدفاع عن حقوق الممارسين، في أفق تقنين المهن السيكولوجية وفق أسس قانونية واضحة تضمن الجودة والمسؤولية.
لقد أصبح تأسيس هذه الإطارات المهنية خيارا استراتيجيا لمواجهة حالة الفراغ التشريعي أو عدم وضوح المسارات القانونية لمزاولة المهن السيكولوجية، خاصة في ظل تزايد الإقبال على خدمات الصحة النفسية، وتعدد التخصصات المرتبطة بها، من علم النفس الإكلينيكي إلى الإرشاد النفسي والمواكبة الأسرية. فغياب إطار قانوني منظم يفتح المجال أمام ممارسات غير مؤطرة، قد تسيء للمهنة وللمستفيدين على حد سواء.
في هذا السياق، تضطلع الجمعيات والنقابات المهنية بأدوار محورية، لا تقتصر فقط على تمثيل المهنيين والدفاع عن مصالحهم، بل تمتد إلى اقتراح مشاريع قوانين، والمساهمة في بلورة معايير أخلاقية ومهنية، وتنظيم التكوين المستمر، فضلا عن الترافع لدى الجهات المختصة من أجل إخراج نصوص تنظيمية واضحة تحدد شروط الولوج إلى المهنة، ومجالات الاختصاص، وآليات المراقبة والمساءلة.
كما أن القوانين الأساسية لهذه الهيئات غالبا ما تتضمن أهدافا صريحة تتعلق بالسعي نحو تقنين المهن السيكولوجية، سواء عبر التنسيق مع القطاعات الحكومية المعنية، أو من خلال الانخراط في نقاشات عمومية وعلمية تسلط الضوء على أهمية الصحة النفسية في السياسات العمومية. ويلاحظ في هذا الإطار تنامي الوعي الجماعي لدى المهنيين بضرورة توحيد الجهود، وتجاوز التشتت الذي قد يضعف من قوة الترافع.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات، من أبرزها تعدد المرجعيات التكوينية، واختلاف التصورات حول هوية المهنة وحدودها، إضافة إلى إشكالية الاعتراف بالشهادات والمسارات الأكاديمية المختلفة. كما أن غياب هيئة وطنية موحدة يمثل أحد العوائق أمام تحقيق تمثيلية قوية قادرة على التأثير في القرار التشريعي.
ورغم هذه الإكراهات، فإن الدينامية الحالية تبعث على التفاؤل، إذ تعكس إرادة مهنية متنامية لإرساء قواعد تنظيمية تضمن حماية الممارس والمستفيد، وتسهم في الارتقاء بجودة الخدمات النفسية. ومن شأن توحيد المبادرات وتكثيف الحوار بين مختلف الفاعلين—من مهنيين وأكاديميين ومؤسسات—أن يسرّع من وتيرة تقنين المهن السيكولوجية، بما ينسجم مع المعايير الدولية ويستجيب لحاجيات المجتمع.
في المحصلة، لا يمكن فصل تأسيس الجمعيات والنقابات المهنية عن مشروع أوسع يهدف إلى بناء حقل سيكولوجي منظم ومُعترف به قانونيًا، حيث يشكل العمل الجماعي المنظم رافعة أساسية لإرساء مهنة قائمة على الكفاءة، والأخلاقيات، والمسؤولية الاجتماعية.
المصطفى توفيق
22 أبريل 2026
