أصبحت اضطرابات الصدمة النفسية من أكثر القضايا حضورا في مجال الطب النفسي وعلم النفس الإكلينيكي، نظرا لتزايد الوعي المجتمعي بتأثير التجارب الصادمة على الصحة النفسية. ومن بين المفاهيم الحديثة التي لاقت اهتماما واسعا في السنوات الأخيرة، يبرز اضطراب ما بعد الصدمة المعقّد أو Complex Post-Traumatic Stress Disorder (CPTSD)، باعتباره حالة تتجاوز التصورات التقليدية لاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). وفي هذا السياق، يقدم فيديو استشارية الطب النفسي Victoria Chamorro شرحا مبسّطا ودقيقا لهذا الاضطراب، من خلال توضيح أسبابه وأعراضه والفرق بينه وبين اضطراب ما بعد الصدمة التقليدي، مع التركيز على طبيعة الصدمة الممتدة وتأثيرها على بناء الشخصية والعلاقات الإنسانية.
يؤكد الفيديو أن اضطراب CPTSD يعد امتدادا متطورا لفهم اضطرابات الصدمة، إذ لا يرتبط فقط بحدث صادم واحد كما هو الحال في PTSD، بل ينتج غالبا عن تجارب صادمة متكررة أو طويلة الأمد. وتشمل هذه التجارب عادة ظروفا قهرية يشعر فيها الفرد بالعجز عن الهروب أو المقاومة، مثل الإهمال المزمن، العنف الأسري المستمر، الاعتداءات المتكررة، أو العيش في بيئات تهديد دائم، خصوصا خلال مرحلة الطفولة أو المراحل الحساسة من النمو النفسي.
وتوضح فيكتوريا أن CPTSD يشترك مع اضطراب ما بعد الصدمة التقليدي في مجموعة من الأعراض الأساسية، مثل:
استرجاع الذكريات المؤلمة أو ما يعرف بـ الفلاشباك.
المعاناة من كوابيس متكررة مرتبطة بالحدث الصادم.
تجنب المثيرات التي تذكر الفرد بالصدمة.
فرط اليقظة والتوتر الدائم والشعور بالخطر حتى في غياب التهديد الحقيقي.
غير أن الفارق الجوهري الذي يركز عليه الفيديو يتمثل في أن اضطراب CPTSD لا يتوقف عند حدود هذه الأعراض، بل يضيف أبعادا نفسية أعمق وأكثر تعقيدا تمس هوية الفرد وتنظيمه العاطفي وقدرته على الاندماج الاجتماعي. ومن أبرز هذه الأبعاد:
أولا: اضطراب تنظيم المشاعر حيث يعاني المصاب من صعوبة في التحكم في الانفعالات، وقد تظهر نوبات غضب أو حزن شديد، أو تقلبات مزاجية حادة، مما يجعل الاستقرار النفسي هشا أمام الضغوط اليومية.
ثانيا: صورة ذاتية سلبية يشير الفيديو إلى أن المصاب غالبا ما يحمل مشاعر متجذرة من الخجل أو الذنب أو الإحساس بالدونية، ويشعر أنه شخص غير جدير بالحب أو غير قادر على النجاح، وهو ما يعكس أثر الصدمة الطويل على البناء النفسي للذات.
ثالثا: صعوبات في العلاقات الاجتماعية توضح فيكتوريا أن من أكثر العلامات وضوحا في CPTSD اضطراب العلاقات الإنسانية؛ فالمصاب قد يجد صعوبة في الثقة بالآخرين، أو يعيش خوفا دائما من الخيانة والرفض، وقد يميل إلى العزلة أو الدخول في علاقات غير مستقرة ومتذبذبة.
رابعا: الإحساس المستمر بالتهديد إذ يبقى الفرد في حالة استنفار داخلي، وكأنه يعيش الصدمة بشكل دائم، مما يجعله عرضة للقلق المستمر واضطرابات النوم والإجهاد المزمن.
كما يشير الفيديو ضمنيا إلى أن طبيعة CPTSD ترتبط غالبا بالصدمة التي تقع داخل علاقات إنسانية مؤذية، بخلاف PTSD الذي قد ينتج عن حادث مفاجئ خارجي. فالصدمة حين تكون ناتجة عن شخص قريب أو سلطة أبوية أو شريك، فإنها تترك أثرا أعمق لأنها تزعزع مفهوم الأمان والثقة والانتماء.
وفي الجانب العلاجي، يوضح الفيديو أن CPTSD قابل للعلاج، لكنه يتطلب غالبا تدخلا متخصصا وطويل المدى، لأن العلاج لا يركز فقط على معالجة الذكريات الصادمة، بل يتجه كذلك إلى إعادة بناء المهارات العاطفية والاجتماعية وتعزيز تقدير الذات. ويشمل ذلك العلاج النفسي الموجه للصدمة، إضافة إلى برامج دعم تساعد الفرد على تطوير استراتيجيات أكثر صحة في التعامل مع المشاعر والعلاقات.
في الختام، يتضح من خلال ما عرضته Victoria Chamorro أن اضطراب ما بعد الصدمة المعقّد (CPTSD) يمثل حالة نفسية دقيقة تتجاوز المفهوم التقليدي لاضطراب ما بعد الصدمة، إذ يرتبط غالبا بصدمات ممتدة ومتكررة تؤثر على الذاكرة والانفعال والهوية والعلاقات. ويكمن جوهر هذا الاضطراب في أنه لا يقتصر على استرجاع الحدث الصادم، بل ينعكس على البناء النفسي للشخص وصورته عن ذاته وقدرته على الثقة بالآخرين وتنظيم حياته العاطفية والاجتماعية. ومن ثمّ، فإن الوعي بهذا الاضطراب يشكل خطوة ضرورية في تعزيز التشخيص الدقيق والتدخل العلاجي الفعال، خاصة في المجتمعات التي لا تزال تقلل من شأن آثار الصدمات الطويلة أو تعتبرها جزءا طبيعيا من الحياة. إن فهم CPTSD لا يخدم المجال الطبي فحسب، بل يساهم أيضا في بناء ثقافة إنسانية أكثر تعاطفا مع الضحايا وأكثر قدرة على دعمهم نحو التعافي والاستقرار.
7 فبراير 2026
رابط الفيديو 👇
Compex PTSD explained