في ظل تنامي الاهتمام بقضايا الصحة النفسية داخل المجتمع المغربي، خصوصا خلال فترات الأزمات والضغط الاجتماعي، بات من الضروري فتح نقاش علمي ومهني حول أهمية الدعم النفسي ودوره في حماية الأفراد والمجتمعات من الانهيار النفسي، ومن تفاقم الاضطرابات المرتبطة بالصدمة والقلق والخوف الجماعي.
وفي سياق الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة القصر الكبير وبعض المناطق المتضررة، والتي خلفت آثارا نفسية واجتماعية متفاوتة، برزت مبادرات مدنية ومهنية تسعى إلى تقديم الدعم النفسي الأولي، عبر آليات الإنصات والمواكبة النفسية، بهدف مساعدة المتأثرين على تجاوز الصدمة واستعادة الإحساس بالأمان والاستقرار.
ومن أجل تسليط الضوء على هذه الجهود، يجري الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام والاتصال الحوار التالي مع هشام العفو، المختص النفساني ورئيس رابطة متخصصي الصحة النفسية والعقلية بالمغرب، عن أهمية الصحة النفسية، ودور الرابطة في دعم الأفراد، وتقديم الإنصات والمواكبة النفسية خلال الأزمات:
السؤال الأول: كيف تقدمون أنفسكم؟ وما هي الرابطة ورسالتها؟
أود بدايةً أن أعبر عن تقديري لهذه الفرصة التي تتيح مناقشة موضوع الصحة النفسية بوصفه مكونًا بنيويًا من مكونات الصحة الشمولية والتنمية المجتمعية، وأقدم لكم شخصي المتواضع ذ هشام العفو متخصص نفساني، وأشغل مهمة رئاسة رابطة متخصصي الصحة النفسية والعقلية بالمغرب، وهي إطار مهني جمعوي مستقل تأسس بمبادرة من ثلة من والمتخصصين النفسانيين و الأطباء النفسانيين، بكل تخصصاتهم، والباحثين الأكاديميين في التخصص، والممرضين المتخصصين في الصحة النفسية.
تسعى الرابطة إلى تأطير الممارسة المهنية وفق مقاربة علمية قائمة على الدليل (Evidence-Based Practice)، مع الالتزام الصارم بأخلاقيات المهنة ومعايير الجودة المعترف بها دوليًا ، لهذا نعتبر أن الصحة النفسية ليست شأنًا فرديًا فحسب، بل هي قضية ذات أبعاد اجتماعية وتنموية، ترتبط بالتماسك المجتمعي، والإنتاجية، وجودة الحياة و ترتكز رسالتنا على ثلاثة محاور استراتيجية متكاملة :
أولًا، الوقاية والتوعية من خلال نشر الثقافة النفسية وتصحيح التمثلات الاجتماعية المغلوطة المرتبطة بالاضطرابات النفسية، ومناهضة الوصمة
ثانيًا : الدعم والمواكبة عبر توفير تدخلات نفسية أولية ومتخصصة، خصوصًا في سياقات الأزمات والكوارث ثم ثالثًا : التكوين والبحث العلمي بهدف تطوير كفاءات المهنيين، وتشجيع الدراسات الميدانية التي تستجيب للخصوصيات الثقافية المغربية.
أما أهدافنا بعيدة المدى فتتمثل في بناء شبكة وطنية منسجمة للمتخصصين، مع إعداد بروتوكولات تدخل معيارية في الأزمات، والمساهمة الفاعلة في بلورة سياسة عمومية مندمجة للصحة النفسية، تجعل من هذا المجال أولوية استراتيجية في منظومة الصحة الوطنية.
السؤال الثاني: كيف تقيمون الأثر النفسي والاجتماعي للأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة القصر الكبير والمناطق المتضررة؟
انطلاقا من زاوية علم نفس الصدمات الاكلينيكي، يمكن توصيف ما وقع باعتباره تجربة صادمة ذات طابع جماعي، حيث يتجاوز التأثير الأفراد المباشرين ليطال المنظومة الاجتماعية ككل ، فالصدمة الجماعية تُحدث خللًا مؤقتًا في الإحساس بالأمان، وتعيد تشكيل إدراك الأفراد للعالم باعتباره فضاءً غير قابل للتنبؤ ، وعلى المستوى الفردي، قد تظهر استجابات نفسية حادة تشمل أعراض اضطراب الضغط الحاد، مثل الذهول، التشوش المعرفي، اضطرابات النوم، وفرط الاستثارة العصبية ، ومع استمرار الأعراض، قد تتطور الحالة إلى اضطراب قلق ما بعد الصدمة ، الذي يتميز بإعادة معايشة الحدث، والسلوك التجنبي، وفرط اليقظة ، كما ترتفع احتمالات القلق والاكتئاب الظرفي، خصوصًا لدى الأشخاص ذوي القابلية النفسية المسبقة ،أما اجتماعيًا، فقد تظهر انعكاسات على مستوى الروابط والعلاقات، حيث يسود أحيانًا مناخ من الخوف وعدم الثقة، مع انتشار الإشاعات بوصفها آلية جماعية لفهم الحدث وضبط القلق لكن في المقابل، قد تتعزز أيضًا مظاهر التضامن والدعم المتبادل، وهي مؤشرات إيجابية على الصمود المجتمعي وهذا ما لاحظناه كثيرا في مناسبات مختلفة.
اذن، تقييمنا المهني يشير إلى أن الأثر النفسي لا ينتهي بانتهاء الحدث، بل قد يمتد لأسابيع أو أشهر، مما يجعل التدخل النفسي الاجتماعي المبكر ضرورة وقائية لتقليص احتمالات التحول نحو اضطرابات مزمنة، وتعزيز آليات التكيف الفردي والجماعي.
السؤال الثالث: ما هي أبرز الانعكاسات النفسية التي قد تظهر على الأفراد بعد الأزمات أو الأحداث الصادمة؟ وهل تختلف هذه الانعكاسات بين الأطفال والبالغين؟
الاستجابات النفسية للأحداث الصادمة تُعد في جوهرها تفاعلات تكيفية مع وضع استثنائي، غير أنها قد تتحول إلى اضطرابات إذا طال أمدها أو اشتدت حدتها ، و من أبرز هذه الانعكاسات اضطراب الضغط الحاد الذي يظهر خلال الأيام الأولى، ويتجلى في الذهول، الانفصال الجزئي عن الواقع، وفرط الاستثارة ،وإذا استمرت الأعراض لأكثر من شهر، فقد يتم تشخيص اضطراب قلق ما بعد الصدمة ، وكذلك قد تظهر اضطرابات قلق معممة، أعراض اكتئابية تتسم بفقدان الأمل والحزن العميق، إضافة إلى اضطرابات سيكوسوماتيكية مثل الصداع المزمن وآلام المعدة وغيرها و في بعض الحالات، قد يلجأ الأفراد إلى سلوكيات تجنبية أو كنوع من الهروب مثل تعاطي المواد في محاولة لتنظيم الألم النفسي ، وقد تختلف أنماط التعبير بحسب المرحلة النمائية مثلا عند الأطفال، بحكم محدودية قدراتهم اللفظية والتنظيمية، يميلون إلى التعبير غير المباشر، مثل التبول اللاإرادي، اضطرابات النوم، اللعب الذي يعيد تمثيل الحدث، أو التراجع في مهارات مكتسبة ، لكن البالغون، قد تظهر لديهم اضطرابات في الوظائف التنفيذية كالتركيز واتخاذ القرار، إضافة إلى مشاعر الذنب أو الخدر العاطفي، وسلوكيات انسحابية.
السؤال الرابع: أعلنت الرابطة عن إحداث خلية للإنصات والدعم النفسي عن بعد، ما هي خلفيات هذه المبادرة؟ وما الهدف الأساسي منها؟
ان مسألة تفعيل خلية الإنصات والدعم النفسي عن بُعد جاءت استجابة لتقييم مهني دقيق يستند إلى مبادئ علم نفس الأزمات و الطوارئ ، من أجل التدخل المبكر و في سياقات الأحداث الصادمة، تشير الأدبيات العلمية إلى أن الساعات والأيام الأولى تُعد فترة حرجة يمكن خلالها احتواء الاستجابات الحادة ومنع تطورها إلى اضطرابات مزمنة و من هذا المنطلق، تم تفعيل الخلية كآلية تدخل سريع ضمن خطة طوارئ نفسية أعدتها الرابطة مسبقًا حيث يتأسس الهدف الأول للخلية على تقديم الدعم النفسي الأولي ، وهو تدخل قصير المدى يركز على استعادة الإحساس بالأمان، تخفيف شدة الانفعال، وتعزيز استراتيجيات التكيف الطبيعية ، كما تسعى الخلية إلى ضمان ولوج مجاني وسري للخدمة، بما يقلل من العوائق الجغرافية والاجتماعية التي قد تحول دون طلب المساعدة ،كما تقوم الخلية بوظيفة الفرز النفسي ، أي تحديد الحالات التي تستدعي إحالة عاجلة نحو طبيب نفسي أو طبيب متخصص ، خصوصًا في وجود مؤشرات خطورة ، كما تساهم في نشر معلومات نفسية تربوية تساعد المواطنين على فهم استجاباتهم الانفعالية بوصفها تفاعلات طبيعية مع ظرف استثنائي ، لهذا فان المبادرة في جوهرها تقوم على مقاربة وقائية تعزز الصمود النفسي المجتمعي، وتؤكد أن التدخل المبكر ليس رفاهًا، بل ضرورة لحماية الصحة النفسية العامة.
السؤال الخامس: كيف تشتغل خلية الإنصات من الناحية العملية؟ وما نوع الحالات التي يمكنها الاستفادة من هذه الخدمة؟
تعتمد خلية الإنصات على بروتوكول تدخل منظم يراعي مبادئ السرية والكفاءة المهنية ، حيث تبدأ العملية بالاتصال الأولي، سواء عبر الهاتف أو الوسائط الرقمية الآمنة، و يستقبل الحالة أو المتصل متخصص نفساني تم تكوينه وتدريبه مسبقا على تقنيات الإنصات الفعال وتنظيم الانفعال والتعامل وفق مقاربة الإسعافات النفسية الأولية ، ثم يقوم المختص بتقييم أولي يهدف إلى تحديد شدة الأعراض، مستوى الخطورة، ومدى تأثير الحالة على الأداء الوظيفي اليومي و هذا التقييم ليس تشخيصًا كاملاً، بل تقدير سريع لاتخاذ القرار المناسب اذ في الحالات البسيطة إلى المتوسطة، يتم تقديم دعم نفسي أولي يتضمن تقنيات التهدئة، إعادة الطمأنة الواقعية، والتوجيه السلوكي للتعامل مع القلق واضطرابات النوم ،أما في الحالات التي تظهر فيها مؤشرات خطورة — كالأفكار الانتحارية أو الانفصال الشديد عن الواقع — فتتم الإحالة الفورية إلى خدمات متخصصة سواء مع طبيب نفسي للرابطة أو تحويل الحالة الى احدى المستشفيات المختصة في الطب النفسي و في بعض الحالات، يتم برمجة متابعة قصيرة المدى للاطمئنان على تطور الحالة كما تستفيد من هذه الخدمة فئات متعددة: الضحايا المباشرون، أسرهم، الأطفال والمراهقون، المهنيون الذين تعرضوا لصدمة ثانوية، إضافة إلى أي مواطن يشعر بقلق أو اضطراب مرتبط بالأحداث ، لهذا نؤكد على أن الخدمة شمولية، مجانية، وغير تمييزية، وتهدف إلى تعزيز العدالة في الولوج إلى الدعم النفسي.
السؤال السادس: ما الفرق بين “الدعم النفسي الأولي” و”العلاج النفسي المتخصص”؟ ومتى يتم توجيه الحالة نحو طبيب نفسي أو مختص؟
الدعم النفسي الأولي (PSP) هو تدخل فوري قصير المدى يُقدم في أعقاب الحدث الصادم، ويركز على تخفيف الضغط النفسي الحاد واستعادة الشعور بالأمان ، حيث لا يهدف هذا التدخل إلى تحليل عميق للتجارب الماضية أو إعادة بناء البنية المعرفية، بل إلى دعم آليات التكيف الطبيعية ومنع التفاقم ، ويعتمد هذا النوع من الدعم على الإنصات التعاطفي، التطمين الواقعي، تقنيات تنظيم التنفس، وتقديم معلومات نفسية تربوية تساعد الفرد على فهم استجاباته و مدته محدودة، وقد يقتصر على حصة أو حصتين ، أما العلاج النفسي المتخصص ، فيُباشر عندما تستمر الأعراض أو تتحول إلى اضطراب مشخص وفق المعايير الإكلينيكية و هنا يتم اعتماد مقاربات علاجية منظمة مثل العلاج المعرفي السلوكي ، العلاج بالتعرض، أو تدخلات علاجية أخرى قد تتكامل مع العلاج الدوائي عند الحاجة مع الطبيب النفسي.
كما تتم الإحالة إلى العلاج المتخصص عند وجود أفكار انتحارية، أعراض ذهانية، عجز وظيفي شديد، أو تاريخ مرضي نفسي سابق وبالتالي، تعمل خلية الدعم كجسر بين الأزمة والتكفل العلاجي العميق، دون أن تحل محل العلاج الإكلينيكي المتخصص.
السؤال السابع: كيف تضمن الرابطة احترام السرية وأخلاقيات الممارسة المهنية أثناء استقبال الاتصالات أو تقديم المواكبة النفسية؟
تقوم هذه العملية أساسا على معايير متشددة ومضبوطة و أهمها ، السرية المهنية التي تشكل حجر الزاوية في أي تدخل نفسي اذ نحن نلتزم بميثاق أخلاقي مستمد من المعايير الدولية، ويؤكد على احترام كرامة المستفيد واستقلاليته وحقه في الخصوصية ، وعمليًا، لا يتم تسجيل المكالمات أبدا، ولا تُحفظ المعطيات الشخصية إلا بموافقة صريحة من الشخص المعني، وتُستخدم البيانات الإحصائية بشكل مجهول المصدر، كما يخضع المتدخلون لتكوين مستمر في أخلاقيات المهنة ويوقعون تعاقدا أخلاقيا واضحا ، كما تُعقد جلسات إشراف مهني دورية لمناقشة الحالات دون كشف الهوية، بما يضمن جودة التدخل ، و يتم أيضا اعتماد وسائل اتصال رقمية آمنة وسرية ومجهولة للحد من مخاطر تسريب المعطيات حيث لا تُرفع السرية إلا في حالات الخطر الوشيك، كتهديد الحياة، ووفق ما يسمح به القانون أو وفق مقرر قضائي ، أما عنصر الثقة فهو أساسي في العلاقة العلاجية، وأي إخلال بها يقوض فعالية التدخل ، لذلك نعتبر حماية السرية مسؤولية مهنية وأخلاقية غير قابلة للتفاوض والنقاش.
السؤال الثامن: ما الرسائل التي توجهونها للأسر التي تلاحظ تغيرات نفسية وسلوكية على أحد أفرادها بعد هذه الأحداث، لكنها لا تعرف كيف تتصرف؟
ان التغيرات النفسية والسلوكية بعد الأزمات غالبًا ما تكون استجابات تكيفية طبيعية، لكنها تتطلب انتباهًا مبكرًا ، و أول خطوة هي الاعتراف بهذه العلامات دون إنكار أو تقليل، سواء تمثلت في اضطرابات النوم، الانسحاب الاجتماعي، التهيج، أو التراجع النمائي لدى الأطفال ، اذ أن الدور الأسري محوري في مسار التعافي وأن الإنصات المتعاطف دون إصدار أحكام يعزز الإحساس بالأمان العاطفي لهذا ينبغي تجنب العبارات التقليلية مثل “انس الأمر” أو “كن قويًا”، لأنها تعيق التعبير الانفعالي ، وان الحفاظ على النسق اليومي هو عنصر تنظيمي مهم يعيد الإحساس بالاستقرار، ومسألة الحفاظ على الأنشطة المشتركة تعزز الترابط والدعم المتبادل ، وإذا استمرت الأعراض لأكثر من أسبوعين أو أثرت بشكل واضح على الأداء اليومي، يُنصح بطلب استشارة مهنية طبية مباشرة و التأكيد على أن طلب المساعدة ليس مؤشر ضعف، بل يعكس وعيًا ومسؤولية تجاه الصحة النفسية.
السؤال التاسع: ما هي النصائح العملية التي يمكن تقديمها للمواطنين من أجل تهدئة التوتر والخوف واستعادة الإحساس بالأمان النفسي؟
تنظيم التوتر يستند إلى فهم آليات الجهاز العصبي، حيث ان تمارين التنفس العميق تُنشط الجهاز العصبي، مما يساهم في تخفيض معدل ضربات القلب واعادة التوازن الفيزيولوجي وهنا يُنصح بتقنين التعرض للأخبار لتفادي إعادة تنشيط الاستجابة الصدمية، وعدم تنشيط الذاكرة الصدمية أيضا إضافة الى مسألة الحفاظ على تنظيم النوم حيث أنها مسألة ضرورية وأساسية، ثم ممارسة نشاط بدني معتدل لا يتطلب الأمر ممارسات شاقة وانما فقط تمارين بسيطة ومعتدلة، حيث تساعد في تنظيم المزاج، كما أن التواصل الاجتماعي قد يكون عاملا وقائيا في هذه الحالات حسب ما أبرزته بعض الدراسات العلمية، لأنه يعزز الإحساس بالدعم والانتماء.
من أهم التقنيات أيضا نتحدث عن اليقظة الذهنية (Mindfulness)والتي تساعد على تثبيت الانتباه في الحاضر بدل الانغماس في أفكار كارثية ويمكن أن تكون الكتابة التعبيرية وسيلة فعالة لتفريغ الشحنات الانفعالية وإعادة ضبط البوصلة العاطفية، ورغم ذلك نشدد على ضرورة تجنب اللجوء إلى بدائل أخرى مثل الكحول أو المخدرات كآليات للهروب، لأنها تفاقم الاضطراب وقد تجعل الشخص غارقا في دوامة أخرى.
السؤال العاشر: كيف ترون دور الإعلام المحلي والوطني في التعامل مع الأزمات: هل يمكن أن يكون عنصر تهدئة أم عامل تضخيم للهلع؟
يلعب الإعلام دورًا بنيويًا في تشكيل الإدراك الجمعي للأحداث الصادمة، إذ لا يقتصر تأثيره على نقل الوقائع، بل يمتد إلى إعادة صياغة المعنى الذي يمنحه الأفراد والجماعات لتلك الوقائع ، اذ من منظور علم النفس الاجتماعي، يُعد الغموض أحد أهم العوامل المغذية للقلق الجماعي؛ وكلما توفرت معلومات دقيقة، متوازنة، ومتحقق منها، انخفض مستوى التهديد المُدرَك، وهو متغير مركزي في تفسير شدة الاستجابة الانفعالية ، ونبين هنا أن الإعلام المسؤول والمهني يساهم في تنظيم الانفعال الجمعي عبر تقديم معلومات واضحة، وتفكيك الإشاعات، واستضافة خبراء مختصين يشرحون الأبعاد النفسية للأزمة بلغة مبسطة و هذا النوع من التغطية يعزز ما يُعرف بالكفاءة الذاتية الجماعية“، أي شعور المجتمع بقدرته على المواجهة والتكيف، وهو عامل وقائي مثبت علميًا في أبحاث الصمود المجتمعي.
لكن على المستوى المقابل فان التغطية المفرطة والمتكررة للصور الصادمة قد تؤدي إلى ظاهرة “الصدمة الثانوية” أو “الصدمة غير المباشرة”، حيث تظهر أعراض القلق وفرط اليقظة حتى لدى الأفراد غير المعنيين مباشرة بالحدث، كما أن العناوين المثيرة، واللغة الكارثية التي انتشرت في السنوات الأخيرة ، والتركيز على التفاصيل الدموية والأسلوب العنيف، تفعّل دوائر الخوف في الدماغ، خصوصًا اللوزة الدماغية، مما يضاعف الإحساس بالخطر ويُضعف القدرة على التفكير العقلاني ، اذ من الناحية الأخلاقية، يتحمل الإعلام مسؤولية مزدوجة: نقل الحقيقة، وحماية كرامة الأفراد المتضررين ،ثم احترام الخصوصية، اذ من الضروري تجنب إعادة بث مشاهد مؤلمة دون ضرورة إخبارية، وإبراز قصص التضامن والتعافي وهذه كلها ممارسات تساهم في تعزيز الأمل بوصفه موردًا نفسيًا وقائيًا.
لهذا نؤكد إن الإعلام في سياق الأزمات ليس مجرد ناقل للخبر، بل فاعل نفسي-اجتماعي مؤثر، وحينما يُمارَس بوعي مهني وأخلاقي، فانه يصبح شريكًا استراتيجيًا في حماية الصحة النفسية المجتمعية بدل أن يكون عامل تضخيم للهلع.
السؤال الحادي عشر: ماهي أبرز التحديات التي تواجهونها في العمل النفسي الميداني داخل المجتمع المغربي؟
كما نعرف جميعا أن الممارسة النفسية الميدانية في السياق المغربي تواجه مجموعة من التحديات البنيوية والثقافية والمؤسساتية التي تتداخل فيما بينها ولعل من أبرز هذه التحديات مسألة "الوصمة الاجتماعية "، التي ما تزال مرتبطة بالاضطرابات النفسية، حيث يُنظر إلى طلب المساعدة أحيانًا كعلامة ضعف أو خلل شخصي وهذه التمثلات الاجتماعية تؤدي إلى تأخر طلب العلاج، مما يزيد من تعقيد الحالات ويؤثر سلبًا على مآلاتها العلاجية إضافة الى أن هذا القطاع يعاني من نقص واضح في الموارد البشرية المتخصصة، سواء من حيث العدد أو التوزيع الجغرافي حيث تتركز الخدمات النفسية في المدن الكبرى، بينما تظل المناطق القروية وشبه الحضرية تعاني من محدودية الولوج إلى الرعاية النفسية، ما يخلق فجوة مجالية في العدالة الصحية ، كما نشير الى أن التحدي الاقتصادي له حضور أيضا، إذ إن التغطية الصحية للعلاج النفسي لا تزال محدودة جدا، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاج النفسي طويل المدى و هذا الواقع يجعل التكفل عبئًا ماليًا على العديد من الأسر، ويحد من الاستمرارية العلاجية، وهي عنصر أساسي في فعالية التدخلات النفسية.
على المستوى المؤسساتي، يظل التنسيق بين القطاعات المعنية — الصحة، التعليم، الداخلية، الشؤون الاجتماعية — دون المستوى المطلوب مع غياب استراتيجية وطنية مندمجة للصحة النفسية يعيق توحيد الجهود ويحد من الاستجابة الشمولية للحاجات المجتمعية ، وأكثر من كل هذا نشير الى أن المتخصص النفساني الى غاية اليوم لا يتوفر على قانون اطار لمهنته ولا يوجد اعتراف رسمي به وهذا ما يجعل المهنة مفتوحة وتواجه التطفل وكثرة الترامي عليها ، أما على المستوى الثقافي، فبعض الأسر تفضل اللجوء إلى تفسيرات غير علمية للمشكلات النفسية، أو تحجم عن الحديث عنها داخل الفضاء الأسري ، ورغم ذلك، نلاحظ تطورًا تدريجيًا في الوعي المجتمعي، خاصة لدى الأجيال الشابة، وهو مؤشر إيجابي يمكن البناء عليه لتعزيز ثقافة الصحة النفسية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الصحة العامة.
السؤال الثاني عشر: ماهي آفاق الرابطة المستقبلية؟ وهل هناك مشاريع لتوسيع المبادرات أو تعزيز الشراكات مع المؤسسات العمومية والمجتمع المدني؟
ترتكز رؤيتنا المستقبلية على مقاربة استراتيجية متعددة المستويات، تجمع بين التوسع الخدماتي، والتأطير العلمي، وبناء الشراكات المؤسسية، اذ على المدى القريب، نعمل على تعزيز خدمات الدعم النفسي الرقمي، إدراكًا منا لأهمية التكنولوجيا في تقليص الحواجز الجغرافية وتسهيل الولوج، خاصة لدى الفئات الشابة، كما نسعى إلى تكوين عدد أكبر من المتطوعين في الدعم النفسي الأولي، وفق معايير علمية معتمدة، لضمان تدخلات مبكرة وفعالة في حالات الطوارئ.
كما أننا نطمح لإطلاق حملات وطنية موسعة للتوعية تحت شعار يعزز فكرة أن الصحة النفسية حق أساسي وليست امتيازًا وأن التربية النفسية المجتمعية (Psychoeducation) تشكل ركيزة أساسية في تغيير السلوكيات وتقليص الوصمة، ولذلك نوليها أهمية خاصة ، وعلى المستوى المتوسط، نعمل على مشروع إنشاء مراكز جهوية للدعم النفسي تقدم خدمات بأسعار رمزية أو مجانية للفئات الهشة و هذه المراكز ستعتمد مقاربة تكاملية تجمع بين العلاج الفردي، الدعم الأسري، والبرامج الجماعية لتعزيز المهارات الحياتية ، وبخصوص المجال البحثي، فإننا نهدف إلى إنجاز دراسات ميدانية تعكس الخصوصية الثقافية والاجتماعية المغربية، بما يتيح تطوير تدخلات ملائمة للسياق المحلي ، كما نطمح إلى إعداد دليل وطني للتدخل النفسي في الأزمات، يستند إلى أفضل الممارسات الدولية مع تكييفها ثقافيًا.
على مستوى التخطيط للمدى البعيد، فإننا نصبو إلى المساهمة الفاعلة في صياغة سياسة عمومية متكاملة للصحة النفسية، تضمن العدالة في الولوج، جودة الخدمات، وإدماج الصحة النفسية في الرعاية الأولية وقد كانت رؤيتنا منذ تأسيس الرابطة راسخة وتقوم على اعتبار الصحة النفسية ركيزة للتنمية البشرية المستدامة.
السؤال الثالث عشر: كلمة أخيرة
أود أن أؤكد بداية أن المشاعر التي يعيشها الأفراد بعد الأحداث الصادمة من خوف، حزن، قلق، أو حتى غضب، كلها استجابات نفسية طبيعية في سياق غير طبيعي اذ أن الجهاز النفسي، مثل الجهاز المناعي، يتفاعل مع التهديدات بمحاولة الحماية والتكيف والصدمة ليست مؤشر ضعف، بل علامة على أن الفرد تعرض لضغط يفوق قدرته اللحظية على الاستيعاب حيث تشير الأبحاث في علم نفس الصدمات إلى أن أغلبية الأفراد يمتلكون قدرات كامنة على التعافي، خاصة عندما يتوفر لهم الدعم الاجتماعي المناسب وهو ما يُعرف بعامل الحماية ، مثل الترابط الأسري، الشعور بالانتماء، والإحساس بالمعنى ، اذ يلعب دورًا حاسمًا في مسار العلاج ، كما أن التدخل المبكر يقلل من احتمالية تطور الاضطرابات المزمنة.
لهذا فإننا نؤكد أن طلب المساعدة النفسية ليس اعترافًا بالعجز، بل تعبير عن وعي ومسؤولية تجاه الذات وفي الثقافة العلمية الحديثة، يُنظر إلى الصحة النفسية كحق أساس من حقوق الإنسان، وجزء لا يتجزأ من جودة الحياة وأن إهمالها قد يؤدي إلى انعكاسات تمتد إلى الأسرة والعمل والمجتمع، فالأمل ليس مفهومًا مجردًا، بل مورد نفسي فعلي يعزز الدافعية ويقوي القدرة على الصمود وعندما نُبقي نافذة الأمل مفتوحة، فإننا نفعل طاقات التكيف الكامنة في داخلنا.
وفي ختام هذا الحوار، يتقدم موقع الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام والاتصال بخالص عبارات الشكر والتقدير للمختص النفساني ورئيس رابطة متخصصي الصحة النفسية والعقلية بالمغرب، على ما قدمه من معطيات علمية دقيقة وتوضيحات مهنية قيمة، وعلى انفتاحه وتفاعله الإيجابي مع أسئلتنا، بما يساهم في تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الصحة النفسية ودورها الحيوي خلال الأزمات. كما نثمن الجهود التي تبذلها الرابطة في مجال الدعم النفسي والإنصات والمواكبة، خدمة للصالح العام، ونتمنى لهم مزيدا من التوفيق والنجاح في مسارهم الإنساني والمهني.
حاوره المصطفى توفيق
رئيس الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام والاتصال
متخصص أكاديميا في علم النفس الإكلينيكي والمرضي
متدرب سابق بمستشفى الرازي للأمراض العقلية
18 فبراير 2026
