مقدمة القراءة
يعد كتاب «قصص من أعماق النفس» عملا نفسيا سرديا يتميز بدمج المنهج العلمي في علم النفس الإكلينيكي مع أسلوب سردي إنساني يفتح نافذة على الخبرات النفسية المعاشة للأفراد الذين يواجهون اضطرابات نفسية وعقلية. وقد حظي الكتاب باهتمام أكاديمي وجماهيري في المغرب، وتناولته قراءات متعددة سواء من مختصين أو مداخلين في حفل توقيعه بجامعة عبد المالك السعدي.
1. البعد المنهجي والمحتوى
واحدة من أهم خصائص هذا العمل هو استخدام السرد القصصي كوسيلة لفهم الاضطرابات النفسية، فبدل أن يقدم المعلومات بشكل مجرد ومتحجر، يقوم المؤلف بسرد حالات واقعية أو شبه واقعية تظهر تجارب معيشة للأفراد مع اضطرابات مثل القلق، الاكتئاب، أو غيرها من الحالات النفسية. هذا الأسلوب يساعد القارئ — سواء كان مختصا أو غير مختص — على التعاطف مع التجارب الإنسانية وفهم أثر هذه الاضطرابات على الحياة اليومية.
السرد هنا يتجاوز كونه مجرد تقنية بل يصبح جسرا معرفيا بين العلم والحياة، يقرب القارئ من عالم النفس الإكلينيكي بطريقة حية ومؤثرة.
2. توظيف المعرفة العلمية بسلاسة
وفق قراءة اختصاصيين، فإن المؤلف لم يكتفِ بالعناصر السردية وحدها، بل دمج المعرفة العلمية بعلم النفس الإكلينيكي في نصوصه، مقدما للقارئ شرحا مبسطا وواضحا لطبيعة الاضطرابات النفسية وكيفية تشخيصها وفهمها. وهذا أسلوب نادر في الأعمال التي تتناول نفس الموضوع، إذ غالبا ما تنحصر بين طيات الأكاديمية الصرفة أو الحكاية الخالصة.
بهذا الدمج يتحقّق هدفان مهمان:
نقل المعرفة العلمية
الحفاظ على جاذبية النص وقابليته للقراءة العامة
3. كسر الحواجز بين الأكاديمية والمجتمع
من أبرز ما أشير إليه في التقديم الذي كتبه الدكتور عبد الرحيم تمحري لهذا الكتاب، هو رؤية المؤلف في جعل المعرفة النفسية في متناول الجمهور العام، لا حصرها داخل القاعات الأكاديمية فقط. يرى د. تمحري أن هذا العمل يساهم في دمقرطة المعرفة النفسية وتوسيع دائرة الوعي المجتمعي حول موضوعات حساسة كالصحة النفسية والاضطراب العقلي.
هذا يعكس توجها إنسانيا واعيا لدى المؤلف، يتجاوز الجانب المعلوماتي إلى جانب تربية نفسية مجتمعية، في زمن تتصاعد فيه الضغوط النفسية وتزداد الحاجة إلى فهم أعماق النفس.
4. قيمة الكتاب في السياق المحلي
في سياق المشهد المغربي، حيث لا يزال علم النفس الإكلينيكي يواجه تحديات في الانتشار والاعتراف الكامل، يؤدي هذا الكتاب دورا تكميليا في دفع الثقافة النفسية إلى الأمام، ويعمل كحلقة وصل بين المعرفة الأكاديمية والمجتمع. وقد عبرت بعض القراءات عن هذا الكتاب بوصفه مرجعا قيما، أقرب إلى القارئ، ويسهل فهم الاضطرابات النفسية. وهو ما أشار إليه الدكتور عبد الحي الكمري، طبيب وجراح في مجال جراحة أمراض الدماغ والعمود الفقري في المغرب، والمعرف بمشاركاته المهنية والأكاديمية في الحقل الطبي، والذي شارك في حفل توقيع الكتاب.
5. الجانب الإنساني في النص
النقطة الأبرز في هذا الكتاب، من خلال قراءات متعددة، هي التركيز على التجربة الإنسانية داخل المرض النفسي. فالقصص الواردة في الكتاب ليست مجرد حالات نفسية باردة، بل هي رحلة معاناة، صراع، أمل، وتكيّف. هذا يحوّل القراءة من مجرد مطالعة معلومات إلى تجربة تعاطف وفهم أعمق لما يعنيه أن يعيش شخص تحت وطأة اضطراب نفسي.
الخلاصة
يمكن تلخيص القراءة في الكتاب كما يلي:
يقدم عملا متوازنا بين المعرفة العلمية والأسلوب السردي الحيوي.
يساهم في تقريب علم النفس الإكلينيكي إلى القارئ غير المتخصص.
يفتح نقاشا حول دمقرطة الوعي النفسي في المجتمع.
المقاربة الفينومينولوجية والهرمينوطيقية حاضرة بقوة في الكتاب
يمثل إضافة مهمة في المكتبة النفسية العربية، خاصة على مستوى القراءة الإنسانية للحالات.
28 دجنبر 2025
