مصطفى توفيق يكتب قراءة تحليلية نقدية في المقال المنشور على موقع الجزيرة بتاريخ 2025/12/19 تحت عنوان: "سؤال القرن الحالي.. هل الفلسفة ضرورية للعلم؟ وهل ماتت حقا؟"، مع ربطه بسياق الفلسفة المعاصرة وفلسفة العلم



يطرح المقال سؤالا مركزيا يتجاوز الجدل الإعلامي السطحي إلى قلب الإشكال الفلسفي المعاصر: ما موقع الفلسفة من العلم في زمن التخصص والتقنية؟ وهل ما زالت للفلسفة وظيفة معرفية حقيقية، أم أنها أصبحت خطابا زائدا على الحاجة؟


ينطلق المقال من مقولة ريتشارد فاينمان الشهيرة، التي غالبا ما تستعمل بوصفها حكما قاطعا على «عدم جدوى» فلسفة العلم، لكنه سرعان ما يفكك هذا الاستخدام الساخر، ويكشف أن العلاقة بين العلم والفلسفة أعقد وأغنى من ثنائية النفي أو الإلغاء.


أولا: فاينمان وسوء فهم نقد الفلسفة


يحسن المقال توظيف مقولة فاينمان لا بوصفها إعلان وفاة للفلسفة، بل باعتبارها تحديدا لحدود الدور.

فاينمان لا ينكر قيمة التفكير الفلسفي في ذاته، وإنما يشدد على أن العالم، بوصفه «أهل صنعة»، ليس مطالبا بأن يتكلم في كل شيء، ولا أن يتحول إلى فيلسوف بالضرورة.

القراءة الدقيقة التي يقدمها المقال هنا مهمة؛ إذ تميز بين:


نقد الفلسفة بوصفها ممارسة زائدة على العمل العلمي اليومي


وبين إنكار الحاجة إلى الفلسفة كإطار مفاهيمي ومنهجي


وهذا التفريق ينسجم مع أطروحات فلسفة العلم المعاصرة التي ترى أن الخلاف ليس مع الفلسفة، بل مع فلسفة سيئة أو متعجلة.


ثانيا: توماس كون والفلسفة في لحظات الأزمة


يشكل استدعاء توماس كون نقطة محورية في المقال، إذ يبيّن أن الفلسفة لا تحضر في العلم في أوقات الاستقرار، بل في لحظات الأزمة المعرفية.

فالعلم، بحسب كون، لا يتقدم دائما تراكميا، بل يمر بدورات تتخللها انقطاعات، حيث تفقد النماذج الإرشادية قدرتها على تفسير الواقع.


وهنا تبرز الفلسفة بوصفها:


أداة لإعادة مساءلة المفاهيم

وفضاء لتوسيع الممكن النظري

وآلية لكسر بديهيات النموذج السائد


القراءة التي يقدمها المقال دقيقة، لأنها لا تجعل الفلسفة بديلا عن العلم، بل شرطا انتقاليا يظهر عندما يعجز العلم العادي عن حل ألغاز تتراكم داخله.


ثالثا: الفلسفة كدور مساعد لا كمنافس


ينجح المقال في إعادة تعريف دور الفلسفة بوصفه دورا مساعدا تنظيميا لا سلطة فوقية على العلم.

فالفلسفة، في هذا التصور:


تنقي المفاهيم

تضبط التعريفات

تكشف الالتباسات المنهجية

وتفكك أنماط الاستدلال


وهو طرح يتماشى مع النزعة الطبيعانية المعتدلة في فلسفة العلم، التي ترى أن الفلسفة لا تنتج معرفة تجريبية، لكنها تسهم في وضوح المعرفة العلمية نفسها.

استدعاء كارل بوبر هنا ليس اعتباطيا؛ فمعيار القابلية للتكذيب مثل مثالا نادرا على تدخل فلسفي وجد صدى واسعا داخل الممارسة العلمية نفسها، لأنه لم يكن تنظيرا ميتافيزيقيا، بل أداة تنظيمية عملية.


رابعا: «الجميع يتفلسف»… حتى من ينكر ذلك


من أقوى لحظات المقال تحليله للمفارقة التالية:


كثير من العلماء الذين يعلنون عداءهم للفلسفة يمارسونها دون وعي.


فاينمان، هوكينغ، وبور، جميعهم قدموا افتراضات تفسيرية ذات طابع فلسفي صريح.

وهذا ما يكشف أن:


الفلسفة ليست خيارا إضافيا

بل مستوىً من التفكير لا مفر منه حين نتجاوز الحساب إلى السؤال عن المعنى والتفسير


هنا يقدّم المقال تمييزا ذكيا بين:


الفلسفة الرصينة المرتبطة بالعلم


و«فلسفة الكوكتيل» أو الاستخدام الخطابي الفضفاض للمفاهيم العلمية


خامسا: قضية سوكال وحدود التأويل


استحضار «خدعة سوكال» يخدم هدفا نقديا مزدوجا:


التحذير من إساءة استخدام المفاهيم العلمية داخل الخطاب الفلسفي


الدفاع الضمني عن صرامة معرفية مشتركة يجب أن تحكم الطرفين


لا يتخذ المقال موقفا شعبويا ضد الفلسفة، بل يقر بأن سوكال كشف خللا حقيقيا في بعض تيارات ما بعد الحداثة، دون أن يعني ذلك إدانة الفلسفة بوصفها حقلا معرفيا.

وهنا يبرز مطلب أساسي في الفلسفة المعاصرة:


لا فلسفة بلا معرفة علمية كافية، ولا علم بلا وعي فلسفي بحدوده.


سادسا: الفلسفة، الأخلاق، ونقد السلطة العلمية


ينتقل المقال بذكاء من النقاش المعرفي إلى البعد الأخلاقي والسياسي للعلم، مبرزا أن الفلسفة:


ليست فقط أداة للفهم

بل أداة للمساءلة والنقد


قضايا العنصرية العلمية، والقنبلة النووية، وتوظيف المعرفة في السلطة، كلها أمثلة تؤكد أن العلم:


ينتج معرفة

وينتج قوة


وهنا تصبح الفلسفة ضرورة أخلاقية، لا ترفا نظريا، لأنها تميز بين:


الوصف والتبرير

الحقيقة والقيمة

القدرة والمسؤولية


خاتمة القراءة


تخلص هذه القراءة إلى أن المقال لا يدافع عن الفلسفة بوصفها بديلا عن العلم، ولا عن العلم بوصفه مكتفيا بذاته، بل يدافع عن علاقة تكامل مشروط.

فالجدل بين العلم والفلسفة، كما يؤكد المقال، ليس علامة أزمة، بل علامة صحة معرفية.

إن الفلسفة لا تموت لأن العلم يتقدم، ولا تزدهر لمجرد عجز العلم، بل تظهر حيث:


تتعقد الأسئلة

وتتصدع النماذج

وتتقاطع المعرفة مع القيم


وبهذا المعنى، يقدم المقال رؤية ناضجة للفلسفة المعاصرة:


فلسفة لا تدعي السيادة على العلم، ولا تقبل الإقصاء، بل تمارس دورها حين تصبح الأسئلة أكبر من الأدوات.


سؤال القرن الحالي.. هل الفلسفة ضرورية للعلم؟ وهل ماتت حقا؟👇