يقال إن الصبر مفتاح الفرج، لكن يبدو أن أحدا نسي أن يخبر الفرج بذلك، فتركنا ننتظر عند كل باب. والحق أن الانتظار لم يعد مجرد حالة عابرة، بل أصبح أسلوب حياة، حتى صار بعض الناس يمتلكون خبرة طويلة فيه تفوق خبرتهم في أعمالهم.
ننتظر الحافلة، فإذا جاءت انتظرنا أن تتحرك. وننتظر الطبيب، فإذا دخلنا انتظرنا أن ينتهي من كتابة الوصفة. وننتظر الراتب، فإذا وصل انتظرنا نهاية الشهر. وننتظر العطلة، فإذا جاءت انتظرنا أن تنتهي!
أما الطالب، فهو بطل الانتظار بلا منازع. ينتظر إعلان النتائج، ثم ينتظر فتح باب التسجيل، ثم ينتظر نتائج الانتقاء، ثم موعد المباراة، ثم إعلان المقبولين، ثم ينتظر التخرج، وبعده ينتظر فرصة عمل... فإذا حصل عليها، بدأ ينتظر الترقية!
حتى التكنولوجيا التي وعدتنا بالقضاء على الانتظار، جعلتنا ننتظر بطريقة أكثر حداثة. يكفي أن ترى عبارة: "يرجى الانتظار... جار التحميل"، فتشعر أن الجهاز يشاركك فلسفة الحياة.
والأطرف من ذلك أن بعض الناس لا يكتفون بالانتظار، بل يتخصصون فيه. فإذا سألت أحدهم عن مشروعه، قال لك: "أنتظر". وإذا سألته عن مستقبله، أجاب: "في انتظار". وكأن الانتظار أصبح وظيفة بدوام كامل، لا تحتاج إلى مقابلة عمل ولا إلى عقد توظيف!
ومع ذلك، يبقى الانتظار أستاذا قاسيا. فهو يعلمنا الصبر، ويختبر أعصابنا، ويكشف لنا أن الزمن يتحرك بسرعة عندما نكون سعداء، وببطء شديد عندما نراقب عقارب الساعة.
وفي النهاية، قد نكتشف أن أخطر أنواع الانتظار هو انتظار الحياة نفسها، لأن الحياة تمضي، سواء انتظرنا أم لم ننتظر.
المصطفى توفيق
27 يوليوز 2026
