محلل نفسي… من وراء المكتب فقط

 



في زمن صار فيه كلّ شيءٍ قابلا للنشر، لم يعد مستغربا أن يخرج علينا كاتبٌ بكتاب في التحليل النفسي، دون أن يكون قد جلس يومًا واحدا في مواجهة إنسان يعاني من قلق حقيقي أو اكتئاب يثقل الصدر. كتاب أنيق الغلاف، عميق العنوان، ثقيل المصطلحات… لكنه خفيف التجربة، يكاد يطفو فوق الواقع دون أن يلامسه.


كاتبُنا الجليل يبدو أنه خاض غمار اللاوعي من أوسع أبوابه… باب “المكتبة”. استنشق أفكار سيغموند فرويد، وربما صافح أطياف كارل يونغ في أحلامه، ثم عاد إلينا مؤخرا بكتاب يشرح فيه أعقد العقد النفسية، وكأنه قضى عمره يفككها في عيادة مزدحمة بالمرضى، لا في مقهى هادئ مع فنجان قهوة ودفتر ملاحظات.


المثير للسخرية ليس في الكتاب ذاته، بل في تلك الثقة التي تكتب بها الصفحات. جمل طويلة، مصطلحات رنّانة، إحالات نظرية دقيقة… لكنك كلما تقدّمت في القراءة، شعرت أن المريض الوحيد الذي عالجه الكاتب هو “فكرة” في رأسه، وأن الجلسة العلاجية الوحيدة التي خاضها كانت بينه وبين الصفحة البيضاء.


يحدّثك عن القلق وكأنه صديقه القديم، وعن الاكتئاب كأنه زاره في بيته مرارا، وعن الصدمات النفسية كأنه رافق أصحابها في لحظاتهم الأشدّ قسوة. لكنك تكتشف سريعا أن كل ذلك مبنيّ على اقتباسات من كتب أخرى، لا على نظرات عيون قلقة، ولا على صمت ثقيل في غرفة علاج، ولا على دمعة فلتت دون إذن.


في عالم مواز، قد يكون هذا الكاتب طبيبا بارعا… لكن في عالمنا، هو أشبه بدليلٍ سياحي يشرح لك تضاريس مدينة لم يزرها قط. يعرف أسماء الشوارع، يحفظ تاريخ المباني، لكنه لا يعرف أين يتعثر الناس، ولا أين يجلس الحزن حين يتعب.


ومع ذلك، لا يمكن إنكار مهارته: لقد نجح في إقناع القارئ بأنه يفهم النفس البشرية، فقط لأنه أتقن لغة الحديث عنها. وهنا تكمن المفارقة الساخرة: في زمن الصورة والكلمة، قد يكفي أن تتحدث عن الألم بإتقان… دون أن تلمسه يوما.


ربما لا مشكلة في أن يكتب الإنسان عمّا يقرأ، لكن المشكلة تبدأ حين يقدّم هذا “المقروء” على أنه “مُعاش”. فبين المعرفة والتجربة، مسافة لا تختصر بالاقتباس، ولا تجسر بالمصطلحات، بل تعاش في صمت الغرف العلاجية، حيث لا تنفع البلاغة، ويبدأ الفهم الحقيقي.


أما كاتبنا، فربما عليه أن يضيف في الطبعة القادمة فصلا جديدا بعنوان: “كيف تصبح محللا نفسيا … دون أن ترى مريضا واحدا”. سيكون بلا شكّ الفصل الأكثر صدقا في كتابه.


المصطفى توفيق 

23 أبريل 2026