حدود التأهيل المهني بين ماستر الفلسفة وماستر العلوم المعرفية وماستر علم النفس الإكلينيكي والمرضي، مع أمثلة توضيحية بقلم المصطفى توفيق متخصص أكاديميا في علم النفس الإكلينيكي والمرضي

 



أدى تطور العلوم الإنسانية وتداخل الحقول المعرفية في العقود الأخيرة إلى نشوء مسارات أكاديمية متعددة تتقاطع في مواضيعها، خصوصا بين الفلسفة، العلوم المعرفية، وعلم النفس. غير أن هذا التقاطع، رغم غناه العلمي، يطرح إشكالا جوهريا يتعلق بحدود التأهيل المهني، خاصة حين يتعلق الأمر بالممارسة الإكلينيكية والتدخل العلاجي. فكثيرا ما يساء فهم العلاقة بين التكوين الفلسفي أو المعرفي من جهة، والتكوين الإكلينيكي من جهة أخرى، فيظن أن الاشتغال النظري على قضايا العقل والوعي والمعاناة الإنسانية يخول تلقائيا ممارسة العلاج النفسي. تهدف هذه الدراسة إلى توضيح الحدود الفاصلة بين ماستر الفلسفة، ماستر العلوم المعرفية، وماستر علم النفس الإكلينيكي والمرضي، مع إبراز طبيعة كل تكوين ووظيفته المهنية، مدعمة بأمثلة توضيحية.


أولا: ماستر الفلسفة وحدود التأهيل المهني


يعد ماستر الفلسفة تكوينا نظريا وتحليليا بالأساس، يهدف إلى تنمية التفكير النقدي، والتحليل المفاهيمي، ومساءلة الأسس الإبستمولوجية للمعرفة الإنسانية. وينشغل هذا المسار بقضايا كبرى مثل الوجود، الوعي، الأخلاق، المعنى، والذات، كما يتناول مناهج فلسفية مثل الفينومينولوجيا، التأويل، والفلسفة التحليلية.

حدود التأهيل المهني:

رغم قدرة خريج ماستر الفلسفة على تحليل مفاهيم المرض، المعاناة، أو الذات الإنسانية بعمق، فإن هذا التكوين لا يشمل أي تدريب تطبيقي على:

المقابلة النفسية

التشخيص الإكلينيكي

تقنيات التدخل أو العلاج

مثال توضيحي:

باحث في الفلسفة متخصص في الفينومينولوجيا قد يكون قادرا على تقديم تحليل دقيق لتجربة الاكتئاب من حيث المعنى والوجود، لكنه لا يمتلك الأدوات المهنية لتشخيص اضطراب اكتئابي أو مرافقة مريض نفسي علاجيا. أي تدخل علاجي في هذه الحالة سيكون تجاوزا لحدود التأهيل المهني.


ثانيا: ماستر العلوم المعرفية بين البحث العلمي والممارسة المهنية


يرتكز ماستر العلوم المعرفية على مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين علم النفس المعرفي، علم الأعصاب، اللسانيات، الذكاء الاصطناعي، وفلسفة العقل. ويهتم هذا المسار بدراسة آليات الإدراك، الانتباه، الذاكرة، اللغة، واتخاذ القرار، غالبا في سياقات بحثية أو تجريبية.

حدود التأهيل المهني:

على الرغم من قرب العلوم المعرفية من علم النفس، فإنها تظل:

موجهة نحو البحث والنمذجة العلمية

غير مخصصة للتدخل العلاجي

خالية في الغالب من التدريب الإكلينيكي والمواكبة النفسية

مثال توضيحي:

خريج ماستر في العلوم المعرفية قد يكون متمكنا من تحليل اضطرابات الذاكرة أو الانتباه من زاوية معرفية أو عصبية، لكنه لا يخول له إجراء جلسات علاج نفسي مع مريض يعاني من قلق مرضي أو صدمة نفسية، لأن ذلك يتطلب تكوينا إكلينيكيا وأخلاقيا خاصا.


ثالثا: ماستر علم النفس الإكلينيكي والمرضي كمسار للتأهيل العلاجي


على النقيض من المسارين السابقين، يقوم ماستر علم النفس الإكلينيكي والمرضي على تكوين مهني تطبيقي، يهدف صراحة إلى إعداد أخصائيين نفسيين قادرين على العمل مع الأفراد والجماعات في سياقات علاجية أو شبه علاجية. ويشمل هذا التكوين:

تعلم المقابلة العيادية

التشخيص النفسي

استعمال الاختبارات والمقاييس

تقنيات التدخل والدعم النفسي

تدريبا ميدانيا مؤطرا داخل مؤسسات صحية أو اجتماعية


حدود التأهيل المهني هنا واضحة ومعرفة:

هذا الماستر هو المسار الذي يمنح الشرعية المهنية للتدخل النفسي، ضمن ضوابط أخلاقية وقانونية.

مثال توضيحي:

طالب حاصل على ماستر في علم النفس الإكلينيكي والمرضي، ومتدرب في مؤسسة صحية، يكون مؤهلا لإجراء مقابلة إكلينيكية مع مريض يعاني من اضطراب قلق، وتحديد طبيعة الاضطراب، ثم اقتراح خطة مواكبة نفسية مناسبة تحت إشراف مهني.


رابعا: حدود التقاطع وخطورة الخلط


لا يمكن إنكار أن الفلسفة والعلوم المعرفية تسهمان في إغناء التفكير الإكلينيكي، سواء من حيث فهم التجربة المعيشة أو نقد النماذج التشخيصية. غير أن هذا الإثراء لا يعني التعويض. فالتكوين النظري، مهما بلغ عمقه، لا يحل محل التدريب العملي والخبرة العيادية.

إن الخلط بين:

الفهم النظري للمعاناة

والتدخل العلاجي في المعاناة

يؤدي إلى ممارسات غير مؤهلة، قد تضر بالأفراد وتضرب أخلاقيات المهنة في الصميم.


في الختام، يتبين من هذا التحليل أن لكل من ماستر الفلسفة، ماستر العلوم المعرفية، وماستر علم النفس الإكلينيكي والمرضي مجاله ووظيفته وحدوده المهنية. فبينما يضطلع الأولان بدور أساسي في إنتاج المعرفة، التحليل، والنقد النظري، يظل ماستر علم النفس الإكلينيكي والمرضي هو المسار الوحيد الذي يخول التأهيل المهني للممارسة العلاجية النفسية. إن وضوح هذا التمييز ليس مسألة إجرائية فحسب، بل هو شرط أساسي لحماية الممارسة النفسية، وصون أخلاقيات التدخل، وضمان سلامة الأشخاص الذين يلجؤون إلى الدعم النفسي. ومن ثم، فإن احترام حدود التأهيل المهني يظل أساس أي ممارسة مسؤولة في الحقل النفسي والإنساني.


تنويه:
هذا المقال ذو طابع علمي وأكاديمي، يندرج ضمن النقاش المعرفي حول حدود التكوين والتأهيل المهني، ولا يقدم تشخيصا أو علاجا نفسيا، ولا يغني بأي حال عن استشارة مختص مؤهل داخل إطار قانوني ومؤسساتي.