في إطار حرص الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام والاتصال على فتح مساحات للتفكير الحر وتقديم قراءات نقدية تعالج الظواهر الاجتماعية بنفس يمزج بين السخرية والرصد الواقعي، يقدم هذا المقال وقفة تأملية حول مفهوم الأخلاق في زمن تتداخل فيه المبادئ مع المظاهر، وتختلط فيه الشعارات بالممارسات اليومية
يأتي هذا النص ليعكس بأسلوب ساخر وهادئ المفارقة بين الخطاب الأخلاقي والسلوك العملي، دون استهداف أي جهة أو شخص، وإنما بغرض إضاءة جانب من جوانب السلوك الإنساني المعاصر، وتحفيز القارئ على التفكير في المسافة التي تفصل بين القول والفعل.
في زمننا الحالي، صارت الأخلاق أشبه بحقيبة يد فاخرة: يحملها البعض فقط عندما يريدون التقاط الصور. نسمع كل يوم خطبا عن النزاهة، الشفافية، اخلاقيات المهنة، الصدق، المحبة، وإكرام الجار… وكلها كلمات جميلة لولا أنها تقال في الوقت ذاته الذي ينشغل فيه أصحابها بتخبئة مفاتيح الضمير في صندوق لا يفتح إلا في المناسبات.
فـ"الأخلاق" اليوم أصبحت تخصصا متطورا في فنّ الانتقائية. تمارس حين يحتاجها أصحاب اللااخلاق فقط، تماما كما تخرج المظلة عندما تمطر، وترمى في السيارة حين تظهر الشمس. البعض صار يعتبر الأخلاق كبرنامج تجريبي: قد يعمل أحيانا، وقد يتعطل فجأة عند أول إغراء أو أول امتحان جدي.
والمثير للسخرية أن أكثر الذين يتحدثون عن الأخلاق هم أول من يستحق أن يخضع لدروس مكثفة فيها. تراهم يوزعون النصائح كما توزع الهدايا في حفلة الميلاد، بينما سلوكهم اليومي يصر على تذكيرك بأن التطبيق ليس متاحا بعد في منطقتك.
بل إن الأخلاق الحديثة أصبحت شبيهة بقوانين السير: الجميع يحفظها عن ظهر قلب، لكن قليلا فقط من يطبقها، بينما الأغلبية تفسرها حسب الحالة المزاجية وسرعة الرياح ومسافة الرادار.
أما الطامة الكبرى، فهي أن بعض الناس يعتقدون أنّ الأخلاق تستخدم لتقييم الآخرين فقط، وليس لتقييم أنفسهم. وإذا غاب الضمير، لا بأس، يتم تعويضه سريعا بشعار: "هكذا يفعل الجميع!" وكأنّ سوء السلوك يصبح فضيلة بمجرد أن العدد يصبح كافيا.
في النهاية، لا مشكلة في أن نتحدث عن الأخلاق. المشكلة أن الأخلاق نفسها بدأت تشعر بالحرج من تصرفات بعض من يتحدثون باسمها. وربما لو استمر الحال على هذا النحو، ستطلب الأخلاق رسميا إعفاءها من الخدمة، وتعلن استقالتها من لا أخلاق له، وتعتزل في قرية هادئة لا تعرف سخرية أو رياء.
فإلى أن نسترجع شيئا من الأخلاق التي لها أخلاق… دعونا نتوقف عن توزيع الدروس المجانية، ونبدأ ولو مرة واحدة بتطبيقها.
29 نونبر 2025