تقنين العمل الاجتماعي بالمغرب يفتح النقاش حول تنظيم المهن السيكولوجية والجمعيات المتخصصة

 

يشهد المغرب خلال المرحلة الراهنة تحولات مهمة في اتجاه تنظيم وتأطير المهن ذات البعد الإنساني والاجتماعي، وذلك في إطار تعزيز الحكامة المهنية وحماية المستفيدين من الخدمات الاجتماعية والنفسية. ويبرز هذا التوجه بشكل واضح من خلال تنزيل مقتضيات القانون رقم 45.18 المتعلق بتنظيم مهنة العاملات والعاملين الاجتماعيين، والذي جعل من الاعتماد القانوني شرطا أساسيا لمزاولة المهنة، في خطوة غير مسبوقة نحو تقنين قطاع ظل لسنوات يشتغل بآليات غير مؤطرة بشكل كامل.



وقد تعزز هذا المسار بإطلاق منصة “إشهاد” الخاصة بتسجيل وإدارة طلبات الحصول على الاعتماد المهني، تحت إشراف وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، مع اعتماد مسطرة قانونية وإدارية واضحة تشمل التسجيل الإلكتروني وإيداع الملفات لدى مصالح التعاون الوطني، قبل دراسة الطلبات والتأكد من استيفاء الشروط العلمية والقانونية المطلوبة.



ويعكس هذا التحول وعيا متزايدا بأهمية تأهيل العامل الاجتماعي وضمان كفاءته العلمية والمهنية، خاصة أن هذا المجال يرتبط بشكل مباشر بفئات هشة تحتاج إلى مواكبة دقيقة ومسؤولة، من قبيل الأطفال والنساء والأشخاص في وضعية هشاشة أو إعاقة وضحايا العنف والإدمان والتفكك الأسري.



ولم يعد الحصول على شهادة جامعية كافيا لممارسة المهنة، بل أصبح الاعتماد القانوني يمثل اعترافا رسميا بالكفاءة المهنية، وآلية لحماية المجال من الممارسات العشوائية أو غير المؤهلة. كما يساهم هذا التنظيم في تعزيز مصداقية العامل الاجتماعي وترسيخ أخلاقيات المهنة وربط المسؤولية بالمحاسبة.



غير أن هذا المستجد يفتح في المقابل نقاشا أوسع حول وضعية عدد من المهن الإنسانية الأخرى، وعلى رأسها المهن السيكولوجية، خاصة مهنة المعالج النفسي الإكلينيكي، التي لا تزال إلى حدود اليوم تفتقر إلى إطار قانوني واضح ينظم شروط الممارسة ويحدد الاختصاصات والمسؤوليات المهنية.



فالمعالج النفسي الإكلينيكي يشتغل بدوره في مجال حساس يرتبط بالصحة النفسية والتشخيص والمواكبة والعلاج النفسي غير الدوائي، ويتعامل مع حالات معقدة تتطلب تكوينا أكاديميا متخصصا وخبرة ميدانية وأخلاقيات مهنية دقيقة. ورغم ذلك، لا يوجد إلى الآن نظام واضح للاعتماد أو الترخيص المهني ينظم هذا المجال بشكل رسمي، الأمر الذي يفتح الباب أحيانا أمام ممارسات غير مؤطرة أو تدخلات من أشخاص يفتقرون إلى التكوين العلمي الكافي.



ومن هنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان العامل الاجتماعي أصبح مطالبا بالحصول على اعتماد قانوني لمزاولة المهنة، فهل سيصبح المعالج النفسي الإكلينيكي هو الآخر ملزما مستقبلا بالحصول على ترخيص أو اعتماد مهني؟ وهل يتجه المغرب نحو إحداث هيئة أو مجلس وطني للمهن السيكولوجية يسهر على تنظيم القطاع وحماية أخلاقيات الممارسة وضمان حقوق المرتفقين؟



ولا يقف النقاش عند حدود الأفراد فقط، بل يمتد أيضا إلى الجمعيات والمؤسسات التي تنشط في مجالات الدعم النفسي والمواكبة الأسرية والعمل الاجتماعي. فالكثير من الجمعيات تقدم خدمات تتعلق بالإرشاد النفسي، والتوجيه الأسري، وحماية الطفولة، ومحاربة الإدمان، والدعم الاجتماعي، دون وجود إطار قانوني دقيق يحدد طبيعة التدخلات المسموح بها أو المؤهلات المطلوبة للعاملين داخل هذه المؤسسات.



وفي ظل هذا الواقع، يطرح تساؤل آخر نفسه بقوة: هل ستصبح الجمعيات العاملة في هذا المجال مطالبة مستقبلا بالاستعانة بأطر معتمدة قانونيا أو متخصصين مؤهلين؟ وهل سيتم وضع دفاتر تحملات ومعايير مهنية تضمن جودة الخدمات المقدمة وتحمي الفئات الهشة من أي استغلال أو تدخل غير مهني؟



إن تقنين مهنة العامل الاجتماعي بالمغرب لا يمثل مجرد إجراء إداري أو تنظيمي، بل يشكل بداية مرحلة جديدة في مسار الاعتراف بالمهن الإنسانية والاجتماعية، وترسيخ ثقافة الاحترافية والكفاءة المهنية. كما يفتح الباب أمام نقاش وطني واسع حول ضرورة تنظيم باقي المهن المرتبطة بالصحة النفسية والعمل الاجتماعي، بما يضمن حماية المجتمع والارتقاء بجودة الخدمات الإنسانية المقدمة للمواطنين.



ويبقى الرهان الأساسي اليوم هو تحقيق التوازن بين تشجيع العمل الجمعوي والتطوعي من جهة، وفرض شروط التأهيل والكفاءة المهنية من جهة أخرى، حتى تصبح المهن الاجتماعية والسيكولوجية مجالات مؤطرة قانونيا وأخلاقيا، قادرة على الاستجابة لحاجيات المجتمع في إطار من المسؤولية والاحترافية.


المصطفى توفيق 

21 ماي 2026



العمل الاجتماعي بالمغرب يدخل مرحلة جديدة 👇


https://www.facebook.com/share/v/18eC56yj6W/




مرحبا بكم على منصة إشهاد - ICHHAD - إشهاد👇



https://share.google/zQPKK2g64vzrwYjSG