يسود في بعض الأوساط الطلابية، ولا سيما بين طلبة علم النفس، تصور مفاده أن الفلسفة، خاصة الفلسفة المعاصرة، بعيدة عن الممارسة النفسية، وأن العلوم المعرفية تمثل حقلا نظريا منفصلا لا تربطه علاقة مباشرة بعلم النفس الإكلينيكي والمرضي. غير أن هذا التصور غالبا ما يستند إلى فهم اختزالي للتخصصات العلمية، وإلى تصور تقليدي يرى في كل علم مجالا مغلقا مكتفيا بذاته، دون اعتبار للتقاطعات المنهجية والإبستمولوجية التي تميز المعرفة المعاصرة.
إن التجربة العلمية والممارسة الإكلينيكية على حد سواء تكشف محدودية هذا الفهم، وتبرز الحاجة إلى أفق معرفي أوسع، تتكامل فيه المقاربة النفسية مع المساءلة الفلسفية والمعرفية. ومن هنا، تبرز أهمية الدفاع عن أطروحة مفادها أن العلاقة بين علم النفس الإكلينيكي والمرضي، والفلسفة المعاصرة، والعلوم المعرفية ليست علاقة تباعد أو تناف، بل علاقة تفاعل وتكامل.
أولا: وهم القطيعة بين علم النفس الإكلينيكي والمرضي والفلسفة المعاصرة
يستند القول بوجود قطيعة بين علم النفس الإكلينيكي والفلسفة إلى افتراض مفاده أن علم النفس الإكلينيكي تجريبي صرف، في حين تختزل الفلسفة في كونها تفكيرا تجريديا بعيدا عن الواقع الإكلينيكي. غير أن هذا التصور يغفل حقيقة تاريخية وإبستمولوجية أساسية، تتمثل في أن علم النفس نشأ في سياق فلسفي، وأن مفاهيمه المركزية—كالوعي، والعقل، والإدراك، والذات—ذات أصول فلسفية واضحة.
كما أن الفلسفة المعاصرة لا تشتغل على قضايا ميتافيزيقية معزولة، بل تنخرط في تحليل مفاهيم علمية راهنة، وتؤدي وظيفة نقدية تتمثل في مساءلة المسلمات النظرية التي تقوم عليها العلوم الإنسانية والطبيعية. ومن هذا المنظور، لا تمثل الفلسفة بديلا عن علم النفس الإكلينيكي، بل إطارا نقديا يسمح له بالتفكير في مفاهيمه وحدوده وشروط إمكانه.
ثانيا: من علم النفس المعرفي إلى العلوم المعرفية: اختلاف في مستوى السؤال
يركز علم النفس المعرفي أساسا على سؤال «كيف تشتغل العمليات العقلية العليا؟»، من خلال دراسة آليات الانتباه، والذاكرة، والتفكير، واتخاذ القرار، اعتمادا على نماذج تجريبية وتفسيرية. وهو بذلك يقدم وصفا وظيفيا لكيفية اشتغال العقل.
في المقابل، تتجاوز العلوم المعرفية هذا المستوى الوصفي لتطرح سؤالا أعمق: «ماهية العمليات العقلية العليا؟». فهي لا تكتفي بتحليل آليات الاشتغال، بل تسائل طبيعة العقل ذاته، وعلاقته بالدماغ، وبالجسد، وباللغة، وبالثقافة، في إطار تفاعلي يجمع بين علم النفس، والفلسفة، وعلوم الأعصاب، واللسانيات، والذكاء الاصطناعي.
إن هذا الانتقال من سؤال «الكيف» إلى سؤال «الماهية» لا يلغي علم النفس المعرفي، بل يمنحه عمقا نظريا يحرره من النزعة الآلية والاختزالية، ويفتحه على أفق تأويلي أوسع.
ثالثا: قيمة العلوم المعرفية لعلم النفس الإكلينيكي والمرضي
تتجلى أهمية العلوم المعرفية بشكل خاص في مجال علم النفس الإكلينيكي والمرضي، حيث لا يكفي توصيف الأعراض أو تصنيف الاضطرابات وفق معايير تشخيصية جاهزة. فالحالة الإكلينيكية تفرض أسئلة تتعلق بالمعنى، والذات، والتجربة الذاتية للمريض، وهي أسئلة يصعب الإحاطة بها داخل نموذج تجريبي ضيق.
إن مساءلة ماهية العمليات العقلية العليا تتيح فهما أعمق للاضطرابات النفسية والعقلية، ليس فقط بوصفها خللا وظيفيا، بل باعتبارها اضطرابا في أنماط الوعي، أو في علاقة الذات بذاتها وبالعالم. ومن هنا، تشكل العلوم المعرفية جسرا معرفيا يسمح بدمج التفسير العلمي بالتحليل الفلسفي، بما يعزز الفهم الإكلينيكي ويغنيه.
رابعا: نحو تكامل معرفي بدل التقابل الزائف
إن الإصرار على الفصل الصارم بين علم النفس الإكلينيكي والمرضي والفلسفة المعاصرة والعلوم المعرفية لا يعكس قوة علمية، بل يكشف عن نزعة تبسيطية تفقد التخصصات عمقها.
فالمعرفة المعاصرة لم تعد تبنى داخل حدود تخصصية مغلقة، بل في فضاءات تقاطعية تسمح بتبادل المفاهيم والمناهج.
وعليه، فإن التكوين في الفلسفة المعاصرة والعلوم المعرفية لا يشكل خروجا عن علم النفس، بل يمثل أفقا نقديا يسمح بإعادة التفكير في الأدوات النظرية والمفاهيم الإكلينيكية، بما يعزز القدرة على الفهم والتأويل والتدخل العلاجي.
خلاصة القول، إن الادعاء بوجود تباعد أو قطيعة بين علم النفس الإكلينيكي والمرضي من جهة، والفلسفة المعاصرة والعلوم المعرفية من جهة أخرى، يفتقر إلى الدقة العلمية والإبستمولوجية. فبينما يشتغل علم النفس المعرفي على تفسير كيفية اشتغال العمليات العقلية العليا، تسهم العلوم المعرفية في مساءلة ماهيتها، وهو ما يفتح أفقا أوسع لفهم الاضطرابات النفسية والعقلية في تعقيدها الإنساني والمعرفي. ومن ثم، فإن التكامل بين هذه الحقول لا يمثل ترفا فكريا، بل ضرورة علمية ومنهجية لفهم أعمق للعقل الإنساني في حالاته السوية والمرضية.
22 دحنبر 2025
مصطفى توفيق
