في إطار تعزيز التكوين الأكاديمي والانفتاح على الممارسات العلمية الحديثة في مجال علم النفس والتربية الخاصة، ينظم ماستر سيكولوجيا الإعاقة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة ورشة تكوينية تحت عنوان: «استراتيجيات تحليل السلوك التطبيقي لدى ذوي اضطراب طيف التوحد»، وذلك يومي الأحد 11 أكتوبر والسبت 17 أكتوبر 2026، ابتداءً من الساعة العاشرة صباحا، بمشاركة متخصصات في المجال.
وتندرج هذه المبادرة العلمية في سياق الاهتمام المتزايد باضطراب طيف التوحد، باعتباره اضطرابا نمائيا عصبيا قد يؤثر في التواصل والتفاعل الاجتماعي، وقد تصاحبه أنماط من السلوكيات المتكررة أو اهتمامات محدودة. وتبرز أهمية هذه الورشة في تسليط الضوء على الأساليب العلمية التي تساعد على فهم السلوك وتحديد العوامل المؤثرة فيه، بما يساهم في بناء تدخلات تربوية ونفسية تتلاءم مع احتياجات كل فرد.
تحليل السلوك التطبيقي: من فهم السلوك إلى التدخل الفعّال
يعد تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis – ABA) أحد المجالات التطبيقية التي تعتمد على مبادئ علم السلوك لفهم السلوك الإنساني وتغييره بطريقة منظمة، استنادًا إلى الملاحظة وجمع المعطيات وتقييم نتائج التدخلات.
ولا يقتصر هذا النهج على الحد من السلوكيات التي تعيق التعلم أو الحياة اليومية، بل يشمل أيضا تنمية مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي والاستقلالية، وتعزيز السلوكيات الإيجابية التي تساعد الفرد على الاندماج في محيطه الأسري والمدرسي والاجتماعي.
ومن بين الاستراتيجيات التي يمكن توظيفها في هذا الإطار، التعزيز الإيجابي، وتحليل المهارات إلى خطوات بسيطة، والتدريب على التواصل الوظيفي، وتحديد الظروف التي تسبق السلوك والنتائج التي تليه.
فعلى سبيل المثال، إذا كان طفل ذو اضطراب طيف التوحد يجد صعوبة في التعبير عن حاجته إلى الاستراحة، فقد يلجأ إلى الصراخ أو الانسحاب من النشاط. هنا، يمكن العمل على تعليمه وسيلة مناسبة للتعبير عن حاجته، مثل استخدام كلمة أو إشارة أو صورة، مع تعزيز قدرته على التواصل بطريقة فعّالة.
ويؤكد هذا المثال أن فهم السلوك يقتضي البحث في وظيفته والظروف المحيطة به، بدل الاكتفاء بالحكم عليه من خلال مظهره الخارجي.
نحو مقاربة تراعي خصوصية كل فرد
إن التعامل مع الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد يتطلب الابتعاد عن المقاربات النمطية، لأن احتياجاتهم وقدراتهم ومستويات تواصلهم تختلف من شخص إلى آخر. ومن ثم، فإن فعالية التدخل ترتبط بمدى ملاءمته لخصوصية الفرد، واحترام كرامته، ومراعاة احتياجاته الحسية والانفعالية والاجتماعية.
كما تكتسي الشراكة بين الأسرة والمتخصصين أهمية كبيرة، إذ يساعد تبادل المعلومات حول سلوك الطفل في المنزل والمدرسة وفضاءات التعلم على بناء خطة تدخل أكثر اتساقًا وواقعية.
وينبغي أن تقوم التدخلات على أهداف واضحة وقابلة للتقييم، مع الحرص على أن تكون الممارسات المستخدمة آمنة وأخلاقية، وأن تستهدف تحسين جودة حياة الشخص وتعزيز استقلاليته وتواصله، لا مجرد فرض الامتثال أو إلغاء السلوكيات التي لا تشكل ضررًا.
مشاركة أكاديمية ومهنية لتعزيز التكوين
تعرف هذه الورشة مشاركة الأستاذة عتيقة بونو، منسقة ماستر سيكولوجيا الإعاقة وأستاذة علم النفس المعرفي العصبي، إلى جانب الأستاذة حسنى مهري، المتخصصة في تحليل السلوك التطبيقي.
وتعكس هذه المشاركة أهمية التكامل بين التكوين الأكاديمي والخبرة التطبيقية، من خلال إتاحة الفرصة للطلبة والمهتمين للاطلاع على استراتيجيات التدخل السلوكي ومناقشة إمكانات توظيفها في الممارسة المهنية.
كما تمثل مثل هذه الأنشطة فضاء لتبادل المعارف والخبرات، وربط المفاهيم النظرية بالحالات التطبيقية، بما يعزز كفاءة الطلبة ويعمق فهمهم للتحديات التي تواجه الأسر والأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد.
في الختام، إن تنظيم ورشة تكوينية حول استراتيجيات تحليل السلوك التطبيقي لدى ذوي اضطراب طيف التوحد بجامعة ابن طفيل يشكل خطوة مهمة نحو دعم التكوين المتخصص ونشر الوعي بالمقاربات العلمية في مجال سيكولوجيا الإعاقة.
فالتعامل الفعّال مع اضطراب طيف التوحد لا يقوم على محاولة تغيير الفرد ليتوافق مع توقعات المجتمع فحسب، بل يتطلب أيضًا تهيئة بيئة داعمة، وفهم احتياجاته، وتطوير قدراته، واحترام اختلافاته الفردية.
ويبقى الرهان الأساسي هو الانتقال من مجرد ملاحظة السلوك إلى فهمه، ومن التدخل العشوائي إلى الممارسة العلمية والأخلاقية، بما يضمن للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد فرصًا أفضل للتعلم والتواصل والاستقلالية والاندماج في المجتمع.
المصطفى توفيق
10 أكتوبر 2026
ورشة تكوينية: في استراتيجيات تحليل السلوك التطبيقي لذوي اضراب طيف التوحد 👇
https://share.google/stqLkAr5DSffYaSFQ