في غياب التقنين، لا تكون “العيادة النفسية غير الدوائية” مجرد فكرة علاجية بديلة، بل تتحول—على الطريقة الساخرة—إلى سوق شعبي مفتوح: كل من امتلك أريكة مريحة، وبضع عبارات من نوع “أخبرني عن طفولتك”، صار فجأة خبيراً في أعماق النفس البشرية.
تدخل العيادة، فتستقبلك لافتة أنيقة: “العلاج بالطاقة، التفريغ العاطفي، إعادة برمجة العقل الباطن، والباقة الذهبية لفكّ العقد الوجودية”… وكأنك أمام قائمة مطعم فاخر، لا أمام مهنة يفترض أنها تقوم على العلم والتكوين الصارم. الفرق الوحيد أن النادل هنا يطلب منك أن “تغلق عينيك وتتخيل نفسك شجرة”، ثم يمد لك الفاتورة بابتسامة مطمئنة.
في هذا العالم العجيب، لا أحد يسألك عن الشهادات، بل عن “الهالة”. لا يهم إن كنت درست علم النفس لسنوات، يكفي أن تكون قد حضرت ورشة نهاية الأسبوع بعنوان “اكتشف المعالج الذي بداخلك”، لتصبح جاهزاً لاستقبال حالات القلق والاكتئاب… وربما حتى “تعديل المسارات الكونية للزبائن”.
والأجمل من ذلك أن الخطأ هنا لا يسمّى خطأ، بل “مرحلة في الرحلة العلاجية غير الدوائية ”. إذا لم تتحسن، فالمشكلة في “مقاومتك الداخلية للتغيير”، وإذا ساءت حالتك، فذلك لأن “اللاوعي بدأ يفرغ سموما عميقة”! أما المعالج، فهو دائما على حق… لأنه ببساطة، لا يوجد قانون يقول غير ذلك.
إن غياب التقنين يجعل العيادة النفسية غير الدوائية أقرب إلى مسرح ارتجالي، حيث تختلط النوايا الحسنة بالاجتهادات الخطيرة، ويتحول الألم الإنساني إلى مادة للتجريب. والنتيجة؟ مريض يبحث عن توازن، فيجد نفسه يتنقل بين وصفات غامضة، لا تقل خطورة عن الأدوية التي كان يحاول تجنبها.
ربما آن الأوان لنسأل، بجدية أقل وسخرية أكثر:
هل نحتاج إلى معالج نفسي… أم إلى دليل استعمال للمعالج نفسه؟
في النهاية، ليست المشكلة في “اللا دواء”، بل في “اللا تقنين”. لأن النفس البشرية، مهما بدت مرنة، لا تحتمل أن تكون حقل تجارب مفتوحا لكل من قرر—بين ليلة وضحاها—أن يصبح معالجا للنفس.
المصطفى توفيق
5 ماي 2026
